50 سنة على المسيرة الخضراء: المغرب يرسم ملامح الحل النهائي لنزاع الصحراء

محرر مقالات27 أغسطس 2025
50 سنة على المسيرة الخضراء: المغرب يرسم ملامح الحل النهائي لنزاع الصحراء

العيون الآن.

بقلم النعمة ماء العينين

خمسة عقود بعد المسيرة الخضراء التي شكّلت تحولاً تاريخياً في مسار استرجاع الأقاليم الجنوبية، يدخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة تتقاطع فيها الرمزية الوطنية مع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية. فمع الذكرى الخمسين لهذه الملحمة، يقترب النزاع من لحظة حاسمة، حيث لم يعد خيار الاستفتاء مطروحاً بجدية في أروقة مجلس الأمن، في وقت تتوسع فيه دائرة الاعترافات الدولية بمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الواقعي والنهائي.

منذ تقديم المقترح المغربي سنة 2007، تمكن المغرب من تثبيت موقعه كفاعل رئيسي في صياغة مستقبل المنطقة. الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020 شكّل تحولاً استراتيجياً، تبعته فرنسا وبريطانيا وإسبانيا بدعم واضح لمقترح الحكم الذاتي، فضلاً عن مساندة دول مجلس التعاون الخليجي ومعظم الدول العربية والإفريقية. وقد تُرجِم هذا الزخم عملياً في افتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية بالعيون والداخلة، في خطوة اعتبرت بمثابة اعتراف ميداني بالسيادة المغربية. والأهم أن قرارات مجلس الأمن نفسها باتت منذ سنوات تصف مبادرة الحكم الذاتي المغربية بأنها “مقترح جدي وذو مصداقية وواقعي وقابل للتطبيق”، وهو ما جعلها مرجعية أممية راسخة.

في المقابل، تواجه الجزائر عزلة دبلوماسية متزايدة بعد أن خسرت كثيراً من مواقعها التقليدية في إفريقيا وأمريكا اللاتينية. أطروحة “تقرير المصير” لم تعد تجد صدى في عالم يتجه نحو التكتلات والتحالفات الكبرى، حيث يُنظر إلى مشاريع الانفصال باعتبارها مصدر هشاشة وعدم استقرار. أما جبهة البوليساريو، فصورتها تزداد اهتزازاً في ظل تقارير دولية عديدة تحدثت عن ارتباطات مشبوهة بين عناصرها وجماعات متطرفة في منطقة الساحل، إلى درجة أن الكونغرس الأمريكي ناقش احتمال إدراجها على لائحة المنظمات الإرهابية. هذا التحول يجعل من خطاب الانفصال عبئاً سياسياً وأمنياً أكثر منه مطلباً شرعياً.

لكن الأهمية المتزايدة للصحراء المغربية لا تقتصر على بعدها السياسي والسيادي، بل تتجلى أيضاً في بعدها الاستراتيجي. فمنذ أن أطلق جلالة الملك محمد السادس من قلب الأقاليم الجنوبية النموذج التنموي الجديد سنة 2015، تحولت المنطقة إلى منصة لوجستية واقتصادية رائدة نحو إفريقيا. مشاريع كبرى مثل الطريق السريع تزنيت–الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي جعلت من الجنوب المغربي بوابة طبيعية نحو أسواق غرب إفريقيا والساحل، في وقت تتسابق فيه القوى الدولية على توسيع نفوذها في القارة.

التحولات الطاقية العالمية زادت من إبراز أهمية الأقاليم الجنوبية. فالمغرب استثمر بكثافة في الطاقات المتجددة، وخاصة مشاريع الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، ليصبح من أكثر الدول الإفريقية جاهزية للاندماج في السوق الدولية للطاقات النظيفة. كما أن الصحراء المغربية تزخر بمعادن استراتيجية مثل الكوبالت، الضروري لصناعة البطاريات والسيارات الكهربائية، ما يجعلها فضاءً حاسماً في الاقتصاد الأخضر العالمي.

في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى روسيا والصين. فهذان البلدان، العضوان الدائمان في مجلس الأمن، حافظا حتى الآن على حياد براغماتي يقوم على مرجعية الأمم المتحدة، لكن اعتبارات استراتيجية قد تدفعهما إلى مقاربة أوضح. الصين، التي ترفض أي نزعات انفصالية في ملفاتها الداخلية مثل تايوان وشينجيانغ والتبت، تجد في مقترح الحكم الذاتي المغربي صيغة منسجمة مع فلسفتها السيادية. أما روسيا، الساعية إلى توسيع حضورها في إفريقيا وسط تنافس متزايد مع الغرب، فقد ترى في المغرب شريكاً موثوقاً يفتح لها آفاق تعاون جديدة في منطقة استراتيجية.

الجلسة المقبلة لمجلس الأمن في أكتوبر 2025 تأتي في هذا المناخ، لتشكل محطة فاصلة في مسار النزاع. فهي تتزامن مع الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، ومع دينامية دبلوماسية متصاعدة تصب في صالح المقترح المغربي. وأي تحول في موقفي موسكو وبكين سيعني عملياً إنهاء مرحلة الغموض وترسيخ إجماع دولي على أن الحكم الذاتي هو الحل النهائي القابل للتنفيذ.

إن الصحراء المغربية لم تعد مجرد قضية نزاع إقليمي، بل غدت فضاءً استراتيجياً لتشكيل مستقبل إفريقيا ومنصة للطاقة الخضراء والتكامل الاقتصادي. ومع حلول الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، تتضح ملامح الحل أكثر من أي وقت مضى، في مسار يقوده المغرب بثقة تحت الرؤية الملكية، ويترسخ بدعم متزايد من المجتمع الدولي لإنهاء هذا النزاع المفتعل وإغلاق ملف طال أمده حول أرض مغربية جغرافياً وتاريخياً.

 

الاخبار العاجلة