باريس: المغرب يضع تراثه الحرفي في الواجهة الأممية ويحصّن هويته الثقافية

محرر مقالات12 فبراير 2026
باريس: المغرب يضع تراثه الحرفي في الواجهة الأممية ويحصّن هويته الثقافية

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة

 

في مشهد امتزجت فيه الدبلوماسية بالهوية والتاريخ بالفعل الثقافي، احتضن مقر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بباريس يوم الثلاثاء 10 فبراير الجاري، حفل تقديم المؤلَّف الجديد “حِرف مغربية: تراث يتجدد”، في تظاهرة ثقافية حملت رسائل تتجاوز التوثيق إلى تثبيت المكانة الحضارية للصناعة التقليدية المغربية على الساحة الدولية.

الحدث الذي جرى في أجواء دبلوماسية رفيعة ترأسه كل من لحسن السعدي كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وسمير الدهر سفير المملكة والممثل الدائم لدى اليونسكو، بحضور المدير العام المساعد للمنظمة المكلف بقطاع الثقافة، إلى جانب ثلة من الفاعلين الثقافيين والدبلوماسيين.

إطلاق هذا المؤلف يندرج ضمن شراكة استراتيجية بين كتابة الدولة ومنظمة اليونسكو، ويعكس توجها مؤسساتيا يجعل من الصناعة التقليدية رافعة للهوية الوطنية وأداة للتنمية في آن واحد.

فالكتاب لا يكتفي بجرد الحرف أو توثيق تقنياتها، بل يقدم قراءة ثقافية لمشروع “الكنوز الحرفية المغربية”، مبرزا دور الصناع التقليديين باعتبارهم “حراس الذاكرة الجماعية” وفاعلين في الاقتصاد الاجتماعي، في مقاربة تربط بين الأصالة والاستدامة. إنه انتقال من منطق الحرفة كتراث جامد إلى الحرفة كقيمة مضافة في الاقتصاد الثقافي المعاصر.

ولم يظل الحدث حبيس الكلمات فقد تحول فضاء اليونسكو إلى ورشة مغربية مفتوحة، حيث عاين الحضور تقنيات الزليج والبروكار، ونسج زربية بني وراين، والدك الصويري، وصناعة السروج المطرزة، وفن الدمشقي، في عرض حي جسد استمرارية المعرفة التقليدية عبر الأجيال.

 

واختتمت الفعاليات بعرض للقفطان المغربي الذي بات مدرجا ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية لدى اليونسكو، في لحظة رمزية كرست هذا الزي كأحد أبرز تجليات الذوق المغربي المتراكم عبر قرون.

 

على هامش الاحتفالية برز بعد آخر أكثر حساسية، تمثل في النقاشات الثنائية التي عقدها المسؤول المغربي مع مسؤولي اليونسكو حول حماية التراث الحرفي الوطني. وكان التركيز واضحا على “مغربية الزليج”، في سياق تأكيد المشروعية التاريخية والعلمية لهذا الفن المتجذر في العمارة المغربية.

 

وشدد لحسن السعدي مدعوما برؤساء الغرف المهنية على أن المملكة ستسلك كل المساطر القانونية والمؤسساتية لحماية هذا الإرث من أي محاولات للسطو أو إعادة النسبة، معتبرا أن الزليج المغربي ليس مجرد عنصر زخرفي، بل تعبير عن سيادة ثقافية ورصيد حضاري متراكم.

 

الحفل انتهى زمنيا لكنه فتح أفقا جديدا للتعاون بين الرباط واليونسكو، خاصة في ما يتعلق بصون “الكنوز البشرية الحية” وضمان نقل المهارات التقليدية إلى الأجيال القادمة.

 

فالرهان اليوم لم يعد فقط في تسجيل عناصر ضمن قوائم دولية، بل في تحويل الحرفة إلى مشروع تنموي متجدد، قادر على الصمود أمام العولمة، ومحصن ضد محاولات التذويب أو الاستحواذ الرمزي.

 

في النهاية ما جرى في باريس لم يكن مجرد تقديم كتاب، بل لحظة إعلان واضحة التراث المغربي ليس ماضيا يستعاد، بل قوة ناعمة تدار بوعي وتحمى بالقانون وتقدم للعالم بثقة.

الاخبار العاجلة