العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
استمعت اليوم إلى جلسة الأسئلة الشفهية الموجهة لرئيس الحكومة المخصصة للتعليم. أرقام بالمليارات، آلاف المناصب، مؤشرات وإنجازات وانتقادات متبادلة… حتى خيّل إلي لوهلة أننا نتحدث عن إحدى أفضل المنظومات التعليمية في العالم. ثم تذكرت أن هناك تلميذاً في قرية نائية ما زال يقطع كيلومترات للوصول إلى قسم يفتقر إلى أبسط شروط التعلم، وأن هناك آخر يدرس مستقبل الذكاء الاصطناعي على سبورة خشبية متهالكة
قالت الحكومة على لسان رئيسها إنها أحدثت آلاف المناصب ورفعت الأجور وضخت مليارات الدراهم في القطاع، والمعارضة تقول إن الواقع شيء آخر، وبين هذا وذاك يبدو أن الحقيقة قررت أن تقف في المنتصف، فلا هي مع هؤلاء ولا مع أولئك…
نعم، من الظلم إنكار بعض ما تحقق، ومن الظلم أيضا مطالبة الناس بأن يروا الجنة في منظومة ما زال آلاف تلاميذها يغادرونها كل سنة قبل أن يكملوا طريقهم الدراسي. ما زال الهدر المدرسي يلتهم أحلام أبناء القرى والمناطق البعيدة المعزولة دون الخوض في سبب عزلتها لليون، وما زال الوصول إلى مدرسة جيدة بالنسبة لكثير من الأسر رحلة يومية لا تقل مشقة عن الوصول إلى العمل نفسه. التي يفترض في سيادة الوزير تقريبها لا ان يطالب بالذهاب والبحث عنها كما قلت…
العالم اليوم يتحدث عن الذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، والمهارات المستقبلية. في دول أخرى لا يقتصر التعليم على تراكم المعرفة، بل يركز على تدريب التلميذ على الفهم، والتحليل، وطرح الأسئلة، وبناء طريقة تفكير تسمح له بمواكبة عالم سريع التغير. ونحن ما زلنا نقضي جزءاً كبيرا من وقتنا في تكريس الحفظ أكثر من الفهم، أو على الأقل في إهمال التوازن بينهما.
لا أحد يطالب بإلغاء الأدب أو التاريخ أو الفلسفة أو النصوص التي شكلت وعينا الجماعي ماضينا وحاضرنا، بل على العكس تماماً. المشكلة ليست في أن يدرس التلميذ المتنبي وابن خلدون أو أفلاطون، المشكلة أن يدرسهم وكأن الذكاء الاصطناعي مجرد إشاعة عابرة تتداولها منصات التواصل او عبارات يتباها بها وتستعمل سبتة في حق من يوظفها.
ثم يأتي موسم البكالوريا فتتحول محاربة الغش إلى الحدث الأبرز. كل سنة نحتفل بعدد حالات الغش المضبوطة وكأننا انتصرنا في معركة طاحنة. والحقيقة أن السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه هو: لماذا أصبح الغش أصلا بهذه الجاذبية؟ لماذا يخاطر تلميذ بمستقبله من أجل ورقة صغيرة أو هاتف مهرب؟ هل المشكلة فقط في التلميذ أم في منظومة كاملة أقنعته أن النقطة أهم من المعرفة وأن المعدل أهم من الفهم؟
لسنوات طويلة ونحن نصلح التعليم، ثم نصلح إصلاح التعليم، ثم نصلح إصلاح الإصلاح. حتى أصبحت الإصلاحات نفسها تحتاج إلى إصلاح.
أما التلميذ المغربي فما زال ينتظر أمورا أبسط بكثير: مدرسة جيدة، أستاذا مرتاحا ومحفزا، قسما لائقا، نقلا مدرسيا آمنا، ومناهج تجعله مستعدا لعالم 2035 لا لعالم 1995.
هذا فقط… ولا أعتقد أن الطلب مبالغ في ما طلب











