العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
في الوقت الذي يفترض فيه أن تشكل صفة “لاجئ إنساني” مظلة حماية قانونية وأخلاقية للمدنيين الفارين من النزاعات، تطرح الأوضاع السائدة داخل مخيمات تندوف، جنوب غرب الجزائر، أسئلة جوهرية حول مدى احترام هذا المفهوم على أرض الواقع، فهناك حيث يقيم عشرات الآلاف ممن يقدمون للمجتمع الدولي كلاجئين، تسود بنية أمنية ذات طابع عسكري، تفرضها جبهة مسلحة، بما يجعل من الوضع الإنساني ملفا متداخلا مع حسابات سياسية وأمنية معقدة.
تشير المعطيات المتداولة في تقارير حقوقية وإعلامية إلى أن مخيمات تندوف لا تدار وفق النموذج المدني المعتمد في حالات اللجوء، بل تخضع لسلطة تنظيم مسلح يفرض نظاما أمنيا صارما، يشمل نقاط مراقبة، قيودا على التنقل، وإشرافا مباشرا على تفاصيل الحياة اليومية للسكان.
هذا الواقع يخلق وضعا استثنائيا، حيث تختفي الحدود الفاصلة بين المخيم الإنساني والثكنة العسكرية، وتغيب المؤسسات المدنية المستقلة القادرة على ضمان الحد الأدنى من الحقوق الفردية والجماعية.
في هذا السياق يتحول اللاجئ من فرد يتمتع بحقوق منصوص عليها في القانون الدولي إلى عنصر داخل معادلة سياسية، فحرية الحركة تظل مقيدة بإجراءات أمنية، وحرية التعبير محكومة بسقف سياسي واحد، بينما يفرض الانتماء والرواية السياسية دون إتاحة بدائل أو خيارات فردية، وتسجل وفق مصادر متطابقة، حالات منع أو تضييق على الأصوات المخالفة، ما يعزز صورة مخيمات مغلقة لا تتوافر فيها شروط الفضاء الإنساني المفتوح.
أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل يتعلق بتدبير المساعدات الإنسانية، فغياب إحصاء دقيق وشفاف لعدد السكان، إلى جانب محدودية الرقابة الدولية المستقلة، يثير تساؤلات حول مسارات توزيع الدعم الدولي، وتشير تقارير سابقة إلى أن هذا الوضع يفتح المجال أمام استغلال المعاناة الإنسانية في سياق ما يوصف بـ“اقتصاد المساعدات”، حيث تستمر الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية للسكان، في مقابل استفادة هياكل تنظيمية من تدفق الدعم الخارجي.
ينص القانون الدولي الإنساني بوضوح على جملة من المبادئ، أبرزها الطابع المدني الخالص للمخيمات الإنسانية، وعدم إخضاع اللاجئين لسلطة عسكرية، وتحميل الدولة المضيفة المسؤولية القانونية عن حماية حقوقهم، غير أن حالة تندوف تقدم، وفق متابعين كنموذج إشكالي مخيمات منزوعة السيادة القانونية، وسكان بلا حماية مؤسساتية مباشرة، وسلطة أمر واقع تعمل خارج آليات المساءلة الدولية الفعالة.
يسهم استمرار هذا الوضع في تعقيد الملف إنسانيا وسياسيا، ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي داخل المخيمات، كما ينعكس على مصداقية المنظومة الدولية المعنية بحماية اللاجئين، وعلى المستوى الإقليمي، يبقي هذا النموذج بؤرة توتر قائمة، ويغذي حالة الجمود في معالجة النزاع، في ظل تداخل الإنساني بالسياسي.
تجمع تحليلات متقاطعة على أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تظل حبيسة الخطاب، بل تستدعي خطوات عملية، في مقدمتها نزع الطابع العسكري عن المخيمات، تمكين السكان من حرية الحركة والاختيار، إخضاع الوضع لرقابة دولية مستقلة، والفصل الواضح بين البعد الإنساني والرهانات السياسية، وإلى أن تتبلور هذه المقاربة، يبقى السؤال مطروحا أمام المجتمع الدولي كيف يمكن الدفاع عن حقوق اللاجئ في فضاء تدار فيه الإنسانية بمنطق السلاح ؟











