العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
شكلت الهجمات التي استهدفت مدينة السمارة نقطة ارتكاز رئيسية في ندوة دولية احتضنتها مدينة جنيف على هامش الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، حيث أجمع خبراء وأكاديميون وفاعلون حقوقيون أفارقة على إدانة استهداف المدنيين، معتبرين أن هذه العمليات كشفت مجددا هشاشة الأطروحة التي تروج لها جبهة البوليساريو، وعززت في المقابل وجاهة المقاربة المغربية القائمة على الاستقرار والتنمية والحل السياسي الواقعي.
خلال الندوة التي نظمتها شبكة إفريقيا للمركز الدولي لحقوق الإنسان ومركز الصحراء للدراسات والأبحاث في التنمية وحقوق الإنسان، أكد الدكتور شيبة أمربيه الربو، رئيس المركز أن حماية المدنيين في مناطق النزاع تمثل أولوية قصوى يفرضها القانون الدولي، مشددا على أن التحديات الأمنية التي تعرفها المنطقة الساحلية الصحراوية لا يمكن مواجهتها إلا عبر احترام الشرعية الدولية وتعزيز التعاون الإقليمي والانخراط في حلول سياسية مستدامة.
وفي واحدة من أبرز المداخلات قدم الدكتور عبد الباسط سيد إرسا رئيس منظمة World Humanitarian Drive، شهادة ميدانية استندت إلى زيارته للأقاليم الجنوبية للمملكة، حيث أشاد بالأوراش التنموية الكبرى التي أطلقها المغرب تحت قيادة الملك محمد السادس، وبحجم الاستثمارات والبنيات التحتية والخدمات التي تشهدها مدن الصحراء المغربية. وفي المقابل، لفت الانتباه إلى الأوضاع الإنسانية الصعبة التي تعيشها ساكنة مخيمات تندوف منذ عقود، داعيا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه هذه الفئة وإنهاء معاناتها. كما اعتبر أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل الحل الأكثر واقعية ومصداقية وقدرة على إنهاء هذا النزاع الإقليمي بشكل نهائي.
أما حمادي الفيلالي الأمين العام لشبكة CIDH Africa Network، فقد ركز على الجوانب القانونية المرتبطة بالهجمات التي استهدفت مدينة السمارة، مؤكدا أن القانون الدولي الإنساني يفرض بشكل صارم التمييز بين المدنيين والمقاتلين ويحظر استغلال المدنيين أو الزج بهم في أي أنشطة ذات طابع عسكري. وأوضح أن المعطيات المرتبطة باستعمال مدنيين في عمليات لوجستية مرتبطة بهذه الهجمات تثير مخاوف جدية بشأن احترام قواعد القانون الدولي، مشددا على ضرورة مساءلة المسؤولين عن هذه الأفعال وعدم السماح بإفلاتهم من العقاب.
وفي هذا السياق اعتبر عدد من المتدخلين أن الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه البوليساريو لا يتمثل فقط في استهداف منطقة مدنية، بل أيضا في منح المجتمع الدولي دليلا إضافيا على مخاطر استمرار منطق التصعيد العسكري الذي تتبناه منذ تنصلها من اتفاق وقف إطلاق النار. فبدل الدفع بالمسار السياسي إلى الأمام، ساهمت هذه الهجمات في تعزيز القناعة الدولية بضرورة التمسك بالحلول الواقعية والدائمة التي يدعو إليها مجلس الأمن.
من جانبه حذر محمد أحمد كاين رئيس المعهد الإفريقي لبناء السلام وتحويل النزاعات، من تنامي التهديدات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، مبرزا وجود ترابط متزايد بين الجريمة المنظمة العابرة للحدود وبعض الحركات المسلحة التي تستفيد من هشاشة الأوضاع الأمنية. وأكد أن استهداف التجمعات المدنية يعد من أخطر التهديدات التي تواجه أمن المنطقة، معتبرا أن الهجمات التي تعرضت لها مدينة السمارة تحمل خصائص تندرج ضمن الأفعال التي توصف عادة بالأعمال الإرهابية وفق المعايير الدولية المعتمدة.
بدوره أوضح محمد صالح محمد ياسين رئيس المركز النوبي للسلام والديمقراطية وعضو مجلس إدارة المركز الإفريقي للديمقراطية وحقوق الإنسان، أن التحديات الأمنية التي تواجه منطقة الساحل أصبحت أكثر تعقيدا بسبب تداخل العوامل الأمنية والاقتصادية والسياسية، مؤكدا أن المدنيين يظلون الضحية الأولى لهذه الأوضاع. ودعا إلى اعتماد مقاربة للأمن الإنساني تجعل حماية الإنسان وحقوقه الأساسية في صلب السياسات العمومية، مع تعزيز التنمية والتعاون الإقليمي باعتبارهما السبيل الأنجع لمعالجة جذور عدم الاستقرار.
وأجمعت المداخلات على أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 عزز بشكل واضح التوجه الدولي نحو حل سياسي واقعي وعملي ودائم قائم على التوافق، بعيدا عن أوهام الحسم العسكري وخطابات التصعيد. كما اعتبر المتدخلون أن التأييد الدولي المتنامي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية لا يعكس فقط قوة المقترح المغربي، بل يعبر أيضا عن اقتناع متزايد داخل المجتمع الدولي بأن هذا المقترح يشكل الإطار الوحيد القادر على الجمع بين متطلبات الاستقرار والتنمية والحفاظ على الأمن الإقليمي.
وخلص المشاركون إلى أن الهجمات التي استهدفت السمارة لم تضر فقط بأمن المدنيين، بل أضرت أيضا بصورة الأطراف التي تقف وراء منطق التصعيد، في وقت يتجه فيه المجتمع الدولي بشكل متزايد نحو دعم الحلول السياسية الواقعية. وبينما يواصل المغرب تعزيز التنمية والاستقرار بالأقاليم الجنوبية والانخراط الإيجابي في المسار الأممي، تجد الأطروحة الانفصالية نفسها أمام عزلة متزايدة وواقع دولي بات أكثر اقتناعا بأن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يمثل الطريق الأكثر جدية ومصداقية لإنهاء هذا النزاع الإقليمي.











