حين يعجز النظام غارق في الغاز عن إنارة بيوت مواطنيه

محرر مقالات15 يوليو 2026
حين يعجز النظام غارق في الغاز عن إنارة بيوت مواطنيه

العيون الآن.

يوسف بوصولة

 

في الوقت الذي لا يكاد الإعلام الرسمي الجزائري يترك مناسبة إلا ويخصصها لمهاجمة المغرب، كانت مدن جزائرية بأكملها تغرق في الظلام تحت وطأة موجة حر تجاوزت أربعين درجة مئوية، في مشهد أعاد طرح سؤال بسيط لكنه مؤلم: كيف يمكن لدولة تعد من أكبر منتجي الغاز في إفريقيا أن تعجز عن ضمان أبسط خدمة عمومية لمواطنيها وهي الكهرباء؟

 

المفارقة هنا ليست تقنية فقط بل سياسية أيضا فالجزائر التي تقدم نفسها قوة إقليمية في أسواق الطاقة، وجدت نفسها أمام أزمة داخلية كشفت هشاشة البنية التحتية الكهربائية وعجزها عن استيعاب الارتفاع الموسمي في الطلب. وبينما كانت الخطابات الرسمية تتحدث طوال السنوات الماضية عن استثمارات ضخمة وتحديث للشبكات، جاءت أول موجة حر قوية لتختبر هذه الوعود، فإذا بالنتيجة انقطاعات واسعة واحتجاجات شعبية، واعتراف رسمي بأن الشبكة وصلت إلى حدودها القصوى.

 

المثير أن السلطات نفسها أقرت بأن الاستهلاك اقترب من القدرة الإنتاجية، وأن مشاريع النقل والتوزيع ما تزال متعثرة بسبب مشاكل عقارية وإدارية، وهو اعتراف يكشف أن الأزمة ليست وليدة حرارة الصيف، بل نتيجة تراكم سنوات من سوء التخطيط وتأخر إنجاز المشاريع الاستراتيجية.

 

ولم يكن المواطن الجزائري ينتظر تبريرات حول ارتفاع الاستهلاك أو الدعوة إلى ترشيد الكهرباء، بقدر ما كان ينتظر بنية تحتية قادرة على مواكبة واقع يعرفه الجميع مسبقا. فالصيف ليس حدثا مفاجئا، وموجات الحر ليست ظاهرة استثنائية في بلد صحراوي اعتاد درجات حرارة مرتفعة منذ عقود.

 

الأخطر أن هذه الأزمة تعيد فتح ملف أولويات السلطة. فبدل أن ينصب الجهد على تحديث شبكات الكهرباء وتحسين الخدمات الأساسية، يبدو أن جزءا كبيرا من الخطاب الرسمي والإعلامي يواصل استهلاك وقته في صناعة خصومات خارجية ومعارك إعلامية لا تنير منزلا ولا تشغل مصنعا ولا تخفف معاناة مواطن ينتظر عودة التيار الكهربائي وسط درجات حرارة خانقة.

 

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الجزائر تمتلك من الموارد الطبيعية ما يؤهلها لتكون نموذجا قاريا في الأمن الطاقي. فهي من كبار مصدري الغاز الطبيعي وتمتلك إمكانات مالية وبشرية معتبرة، ومع ذلك يجد المواطن نفسه كل صيف أمام المشهد ذاته: انقطاعات متكررة تبريرات رسمية، وتعليمات استعجالية لمعالجة أزمة كان يفترض أن تكون محسومة منذ سنوات.

 

وإذا كانت الحكومات تقاس بقدرتها على توفير الخدمات الأساسية قبل إطلاق الشعارات الكبرى، فإن الكهرباء تظل أحد أبسط معايير نجاح الدولة الحديثة. فلا يمكن الحديث عن قوة إقليمية أو نفوذ دبلوماسي بينما تعجز البنية التحتية عن الصمود أمام ذروة الاستهلاك في فصل الصيف.

 

ولذلك فإن الأزمة الحالية ليست مجرد عطب في شبكة كهربائية بل مؤشر على اختلال أعمق في إدارة الأولويات. فالدول التي تخطط للمستقبل تستثمر في البنية التحتية قبل الخطاب السياسي، وتعتبر أمن الطاقة للمواطن جزءا من الأمن القومي، لا ملفا موسميا يعالج بتعليمات استعجالية كلما ارتفعت درجات الحرارة.

 

وفي النهاية لا يحتاج المواطن الجزائري إلى المزيد من البيانات الرسمية التي تفسر أسباب الانقطاعات، بل إلى شبكة كهرباء لا تنهار مع أول اختبار حقيقي، وإلى سياسات تجعل ثروات بلاده تنعكس على جودة حياته اليومية. فالقوة الحقيقية للدول لا تقاس بحجم احتياطاتها من الغاز، وإنما بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى خدمات مستقرة، وبنيات تحتية متينة، وثقة يشعر بها المواطن داخل منزله قبل أن يسمع عنها في نشرات الأخبار

الاخبار العاجلة