العيون الآن.
تشهد دول حوض البحر الأبيض المتوسط خلال صيف 2026 موجة استثنائية من حرائق الغابات، في ظل ارتفاع غير مسبوق لدرجات الحرارة، وتوالي سنوات الجفاف، وهبوب رياح قوية ساهمت في انتشار النيران بسرعة عبر مساحات واسعة، لتعيد إلى الواجهة تحديات التغيرات المناخية وفعالية أنظمة الوقاية والتدخل.
امتدت الحرائق خلال الأسابيع الأخيرة إلى عدد من الدول المتوسطية، من بينها إسبانيا واليونان وفرنسا وإيطاليا وتركيا وقبرص وسوريا ولبنان، مسجلة خسائر متفاوتة تبعا لقدرات كل دولة على الرصد المبكر وسرعة التدخل ووسائل الإطفاء المتوفرة لديها.
وفي شمال إفريقيا يبرز النموذجان المغربي والجزائري باعتبارهما الأكثر قابلية للمقارنة، بالنظر إلى التقارب المناخي والجغرافي، غير أن نتائج تدبير حرائق الغابات أظهرت تباينا واضحا في مستوى الجاهزية وفعالية التدخل.
رغم ارتفاع عدد الحرائق الغابوية المسجلة بالمغرب خلال الموسم الحالي فإن المعطيات الرسمية تشير إلى نجاح السلطات في الحد من آثارها، بفضل تطوير منظومة الرصد المبكر والتدخل السريع.
وبحسب الوكالة الوطنية للمياه والغابات،ث فقد سجل المغرب، منذ بداية سنة 2026 وإلى غاية 20 يوليوز نحو 310 حرائق غابوية، أتت على مساحة تقدر بـ1850 هكتارا، منها 832 هكتارا من التشكيلات الغابوية الشجرية و1018 هكتارا من الأصناف الثانوية والتشكيلات العشبية.
ورغم أن عدد الحرائق ارتفع بحوالي 32 في المائة مقارنة بالمعدل السنوي المسجل خلال السنوات الأخيرة، فإن المساحات المتضررة انخفضت بنحو 30 في المائة، بعدما تراجعت من حوالي 2660 هكتارا إلى 1850 هكتارا، وهو ما يعكس تحسنا في سرعة اكتشاف الحرائق واحتوائها قبل امتدادها.
ويعتمد المغرب في هذا المجال على منظومة متكاملة تشمل المراقبة الاستباقية، والتنسيق بين مختلف المتدخلين إضافة إلى أسطول متخصص من طائرات الإطفاء، يعتبر من بين الأكبر على مستوى القارة الإفريقية.
تشكل طائرات “كنادير” إحدى أبرز أدوات مكافحة حرائق الغابات في الدول المتوسطية بفضل قدرتها على التحليق المنخفض، والعمل في التضاريس الجبلية الوعرة، والتزود السريع بالمياه من البحيرات والسواحل.
ويتوفر المغرب على ثماني طائرات من هذا الطراز، ما يمنحه قدرة مهمة على التدخل المتزامن في أكثر من بؤرة حريق، خاصة بالمناطق الجبلية والغابوية.
وتعتمد عدة دول أوروبية على الطائرات نفسها إذ تمتلك إسبانيا أسطولا يضم 14 طائرة “كنادير”، بينما تتوفر فرنسا على 12 طائرة، وهو ما يفسر جزئيا سرعة تدخلها خلال مواسم الحرائق.
في المقابل ما تزال الجزائر تواجه صعوبات متكررة في احتواء حرائق الغابات، رغم امتلاكها واحدة من أكبر المساحات الغابوية في المنطقة.
وخلال موسم 2026 أتت الحرائق على نحو 17 ألف هكتار، في استمرار لسلسلة المواسم الصعبة التي عرفتها البلاد، خاصة منذ صيف 2021 الذي شهد واحدة من أكثر الكوارث البيئية دموية وخسارة.
وتعتمد الجزائر حاليا على طائرتين فقط من طراز “بيريف بي إي-200” الروسية، إلى جانب مروحيات تابعة للقوات المسلحة، وهي وسائل توفر دعما مهما، لكنها لا تمنح المرونة نفسها التي توفرها طائرات “كنادير”، خصوصا في التضاريس الجبلية المعقدة وسرعة إعادة التزود بالمياه.
كما ظلت السلطات الجزائرية لسنوات، تعتمد على استئجار طائرات أجنبية خلال ذروة موسم الحرائق، وهو خيار اعتبره مختصون ومسؤولون جزائريون مكلفا ومحدود الفعالية، بالنظر إلى أن تكاليف الكراء المتكررة قد تقترب من تكلفة اقتناء أسطول دائم.
وفي خضم الحرائق التي شهدتها الجزائر خلال صيف 2021، تقدمت المملكة المغربية بمبادرة إنسانية رسمية تقضي بإرسال طائرات “كنادير” للمساهمة في عمليات الإطفاء.
غير أن السلطات الجزائرية رفضت العرض، واختارت مواصلة الاعتماد على وسائل أخرى قبل أن تعلن، بعد أيام، قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.
وتؤكد المؤشرات المسجلة خلال السنوات الأخيرة أن فعالية تدبير حرائق الغابات لا تقاس بعدد الحرائق وحده، وإنما بسرعة اكتشافها، وكفاءة التدخل، وحجم المساحات التي يتم إنقاذها قبل امتداد النيران.
وفي هذا السياق، أظهرت التجربة المغربية أن الاستثمار في الرصد المبكر، وتعزيز الأسطول الجوي، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين، أسهم في الحد من الخسائر البيئية رغم ارتفاع عدد الحرائق، بينما لا تزال عدة دول متوسطية، من بينها الجزائر، تواجه تحديات مرتبطة بتطوير منظوماتها الوقائية ورفع جاهزية وسائلها الجوية لمواكبة تزايد مخاطر الحرائق الناتجة عن التغيرات المناخية.











