العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
لم تمض سوى أيام قليلة على انطلاق عرض فيلم “The Odyssey” للمخرج البريطاني كريستوفر نولان في قاعات السينما العالمية، حتى بدأ العمل يحصد إشادات واسعة من النقاد والجمهور، سواء بسبب ضخامته الإنتاجية أو معالجته السينمائية لملحمة هوميروس الشهيرة، في وقت برز فيه المغرب كأحد أكبر المستفيدين من النجاح الدولي للفيلم بعدما احتضن تصوير عدد من أهم مشاهده.
ويأتي هذا النجاح في سياق يؤكد مجددا المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل صناعة السينما العالمية، باعتباره وجهة مفضلة لكبرى شركات الإنتاج، بفضل تنوعه الجغرافي، وبنيته التحتية، وخبرته المتراكمة في استقبال الأعمال السينمائية الضخمة.
ووفق المعطيات التي نشرتها شركة NBC Universal وعدد من المجلات السينمائية المتخصصة، فقد اختار كريستوفر نولان خمسة بلدان فقط لتصوير الفيلم، هي المغرب واليونان وإيطاليا وآيسلندا واسكتلندا، غير أن المملكة حظيت بحضور لافت من خلال عدد من المواقع التي شكلت فضاء رئيسيا للأحداث، خاصة تلك المرتبطة بمدينة طروادة التاريخية.
وكانت قرية آيت بن حدو التاريخية المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي، من أبرز مواقع التصوير، بعدما اعتمدها نولان لتجسيد مدينة طروادة، مستفيدا من طابعها المعماري الفريد الذي سبق أن جعلها فضاء لتصوير أعمال عالمية شهيرة، من بينها Gladiator وThe Mummy وLawrence of Arabia.
ولم يقتصر التصوير على آيت بن حدو، بل شمل أيضا ورزازات، ومراكش، وتحناوت، وإقليم الحوز، والصويرة، وعددا من المناطق الجنوبية، التي وفرت فضاءات طبيعية واسعة استجابت لمتطلبات العمل الملحمي الذي اعتمد بدرجة كبيرة على التصوير الواقعي.
وكانت مدينة الصويرة مسرحا لأحد أكثر مشاهد الفيلم تعقيدا، والمتعلق بإدخال حصان طروادة إلى المدينة، حيث شارك آلاف الأشخاص في تنفيذ هذا المشهد، وهو ما أشاد به بطل الفيلم مات ديمون، الذي وصف التجربة بأنها من أكثر اللحظات إبهارا خلال التصوير، مؤكدا تمسك نولان بالاعتماد على المؤثرات الواقعية بدل الحلول الرقمية.
ويرى متابعون أن النجاح الدولي للفيلم سيمنح المغرب زخما سياحيا إضافيا، بالنظر إلى ما يعرف في صناعة السينما بـ”السياحة السينمائية”، إذ تتحول مواقع تصوير الأعمال العالمية عادة إلى وجهات يقصدها عشاق الأفلام كما حدث مع عدد من إنتاجات نولان السابقة.
ويعزز هذا المعطى مكانة المملكة كإحدى أهم الوجهات العالمية لاستقطاب الإنتاجات الأجنبية، خاصة في ظل ما توفره من استقرار، وتنوع طبيعي، وكفاءات تقنية، وتجربة راكمتها على مدى عقود في مجال الصناعة السينمائية.
ويكتسي هذا النجاح بعدا آخر، بالنظر إلى الجدل الذي سبق عرض الفيلم حين شنت جهات موالية لجبهة البوليساريو، عبر مهرجان FiSahara المقام بمخيمات تندوف، حملة دولية دعت إلى مقاطعة العمل بسبب تصوير جزء من مشاهده بمدينة الداخلة معتبرة وفق طرحها، أن اختيار المدينة يحمل دلالات سياسية.
وسرعان ما تبنت بعض المنابر الإعلامية القريبة من الطرح الانفصالي تلك الدعوات، في محاولة لإضفاء طابع دولي عليها، غير أن الفيلم واصل مساره الطبيعي نحو دور العرض العالمية، بينما حظيت مواقع التصوير المغربية باهتمام إعلامي وسينمائي واسع، بما في ذلك الداخلة التي أصبحت جزءا من أحد أكبر الإنتاجات الهوليوودية في السنوات الأخيرة.
ويرى مراقبون أن الحملة التي استهدفت نولان لم تحقق أهدافها، بل ساهمت، بصورة غير مباشرة، في تسليط مزيد من الضوء على الداخلة، التي ظهرت ضمن خارطة إنتاج سينمائي عالمي ضخم، الأمر الذي يعزز حضورها كوجهة آمنة ومستقرة وقادرة على استضافة مشاريع دولية كبرى.
ويضم فيلم The Odyssey نخبة من أبرز نجوم هوليوود، من بينهم مات ديمون، وتوم هولاند، وآن هاثاواي، وزيندايا، وشارليز ثيرون، فيما استغرق تصويره 91 يوما، مستخدما أحدث تقنيات IMAX، في عمل يراهن عليه النقاد ليكون أحد أبرز الإنتاجات السينمائية لهذا العام.
وبينما كانت بعض الجهات تراهن على تحويل اختيار الداخلة إلى مادة للجدل السياسي، جاءت النتيجة مختلفة؛ إذ تحولت المدينة، إلى جانب عدد من المواقع المغربية، إلى واجهة بصرية يشاهدها ملايين المتفرجين حول العالم، في تجربة تؤكد مرة أخرى أن السينما العالمية تختار مواقع التصوير وفق معايير فنية وإنتاجية، وأن المغرب يواصل ترسيخ موقعه كأحد أهم مراكز صناعة الصورة في المنطقة











