العيون الآن.
تشهد جماعة المرسى واحدة من أكثر المفارقات إيلاماً في المشهد المحلي. ففي الوقت الذي ازدانت فيه قاعة بلدية المرسى لاستقبال الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وتبادل السياسيون الابتسامات تحت أضواء الكاميرات، كانت أحياء المدينة تعيش واقعا أشد قسوة: عطش متكرر ينهك الأسر تحت لهيب شمس لا ترحم.
بينما الماء ينساب في كؤوس القاعات المكيفة، والمواطن البسيط يطوف بين الصهاريج في سباق مرير بحثاً عن بضع لترات تروي عطش أطفاله. المفارقة تبلغ ذروتها حين يتذكر السكان أن عداداتهم لا تتوقف عن الدوران، وأن فواتير الماء تصلهم كاملة غير منقوصة، حتى في أيام الانقطاع الطويلة. هذا المشهد الساخر – حد الألم – يختصر العلاقة المأزومة بين المواطن والمنتخب، حيث تُؤدى الفواتير نقداً وتُسلم الوعود شفاهة.
الأمر لا يقف عند الماء. فالمرسى، رغم كونها من أغنى الجماعات الترابية بفضل مداخيلها من الأنشطة المينائية والصناعية، لا تزال تعاني ضعف البنيات التحتية، وتعثّر المشاريع التي أُعطيت لها الانطلاقة ولم تكتمل، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة ونقص الخدمات العمومية.
المؤسف أن اللقاءات السياسية التي تُعقد بين الفينة والأخرى تبدو أقرب إلى مسرحيات انتخابية هدفها تثبيت المناصب أو توسيع نفوذ عائلات بعينها، أكثر مما هي منصات حقيقية لطرح حلول جذرية لمشاكل الساكنة. في ظل هذا الوضع، يغدو السؤال مشروعاً: من يمثل المرسى فعلاً؟
هنا تكتسب كلمات الملك محمد السادس عمقها وراهنيتها، حين قال في خطاب ذكرى ثورة الملك والشعب:
> “الهدف من الانتخابات لا ينبغي أن يكون هو الحصول على المناصب، وإنما يجب أن يكون من أجل خدمة المواطن فقط”.
كما وضح جلالته ان التصويت وسيلة للتغيير والمحاسبة قائلاً:
> “إن التصويت حق وواجب وطني، وأمانة ثقيلة عليكم أداؤها… فهو وسيلة بين أيديكم لتغيير طريقة التسيير اليومي لأموركم، أو لتكريس الوضع القائم، جيدا كان أو سيئا”.
هذه الرسائل الملكية تضع الكرة في ملعب الناخبين، وتجعلهم شركاء مسؤولين عن واقعهم، بقدر ما تحمّل المنتخبين واجب تقديم برامج واقعية وجدية. فالمواطن الذي يعاني عطشاً لا ينتظر خطباً رنانة ولا موائد سياسية عامرة، بل ينتظر صنبور ماء يفيض بالحياة، ومشاريع تنموية تحترم كرامته، وتدبيراً عقلانياً ينعكس على جودة عيشه.
إن المرسى اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة الانقطاعات والوعود المؤجلة، أو انتزاع حقها في خدمات أساسية تحفظ الحد الأدنى من العيش الكريم. والمسؤولية هنا مشتركة: على الساكنة أن تُحسن الاختيار، وعلى المنتخبين أن يدركوا أن السياسة ليست مناسبة للولائم والصور التذكارية، بل التزام أخلاقي وخدمة يومية للمواطن.
فالعطش الذي يعيشه سكان المرسى ليس قدراً، وإنما نتيجة لسوء التدبير وتغليب الحسابات الضيقة على المصلحة العامة. والتغيير، كما ذكّر الملك، يبدأ من “كلمة واحدة من ثلاثة حروف: صوت











