العيون الآن.
يوسف بوصولة
كما كان معلنا احتضنت العاصمة الإسبانية مدريد يوم الأحد 8 فبراير اجتماعا تفاوضيا حول قضية الصحراء نظمته السفارة الأمريكية، بمشاركة ممثلين عن المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، إلى جانب ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية. اجتماع بدا من حيث الشكل امتدادا لمسار أممي متعثر لكنه حمل في مضمونه مؤشرات تحول نوعي في مقاربة النزاع.
وبحسب مصدر مطلع على مجريات اللقاء فقد كرس الاجتماع بشكل واضح أولوية مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، بعدما نجح الوفد الأمريكي الذي قاده كل من مسعد بولوس ومايك والتز رئيس بعثة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، في انتزاع اعتراف جماعي بما يُعرف بـ“الوثيقة التقنية”. وتعد هذه الوثيقة المؤلفة من أربعين صفحة النسخة المحدثة من المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وقد جرى اعتمادها باعتبارها الوثيقة الوحيدة المؤطرة للنقاشات التقنية المقبلة، ما أدى عمليا إلى إقصاء المقترحات البديلة التي دأبت الجزائر وجبهة البوليساريو على الترويج لها خلال السنوات الماضية.
وينظر إلى هذا التطور باعتباره مكسبا دبلوماسيا مهما للرباط، إذ يعكس انتقال النقاش من مستوى الشعارات السياسية إلى مقاربة تقنية عملية تنطلق من تصور الحكم الذاتي كحل واقعي وقابل للتنزيل. وفي هذا السياق اتفقت الأطراف الأربعة على إحداث “لجنة تقنية دائمة” تضم خبراء قانونيين من المغرب والجزائر وموريتانيا، تحت إشراف مشترك للولايات المتحدة والأمم المتحدة. وستكلف هذه اللجنة بدراسة الجوانب العملية لتفعيل الحكم الذاتي، خصوصا في ما يتعلق بالنظام الضريبي والمنظومة القضائية، وترتيبات الأمن المحلي.
ورغم هذا التقدم لم يخل اجتماع مدريد من توترات عكست استمرار الفجوة السياسية، خاصة من الجانب الجزائري فبحسب المصدر ذاته ضغطت واشنطن من أجل التقاط صورة جماعية تضم وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، ونظيره الجزائري أحمد عطاف ومسعد بولوس، وستافان دي ميستورا، في خطوة رمزية تعكس انخراطا سياسيا جماعيا في المسار الجديد. غير أن الوفد الجزائري رفض بشكل قاطع الظهور إلى جانب الوفد المغربي، معتبرا أن ذلك قد يفهم على أنه تطبيع سياسي قبل التوصل إلى حل نهائي، ليغادر الاجتماع عبر مخرج خلفي تفاديا لعدسات الإعلام.
ويبرز الخلاف أيضًا في تأويل مفهوم “تقرير المصير”، حيث يتمسك المغرب باعتباره يتحقق في إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما واصلت الجزائر الدفاع عن تفسيرها التقليدي. إلا أن الضغوط الأمريكية، وفق المصدر ذاته رجحت مرة أخرى كفة المقاربة المغربية، في انسجام مع التحولات الدولية الداعية إلى حلول واقعية بعيدة عن الطروحات المتجاوزة.
وفي ختام الاجتماع بدا المغرب في موقع “الرابح دبلوماسيًا”، بعدما نجح في فرض منطق الواقعية السياسية وجعل مبادرة الحكم الذاتي المرجعية الوحيدة لأي نقاش مستقبلي. بالمقابل، شددت الولايات المتحدة على أنها الطرف الوحيد القادر على جمع الأطراف الأربعة حول طاولة واحدة، مؤكدة دورها المركزي في إدارة هذا الملف المعقد.
وفي الوقت الذي التزمت فيه الجزائر الصمت بخصوص الدوافع الحقيقية لزيارة وزير خارجيتها إلى مدريد، برزت أصوات رافضة داخل مخيمات تندوف، حيث انتقد بشير مصطفى السيد، في مقال نشر يوم الأحد، المحادثات الجارية، معتبرا أنها لا تضمن ما يسميه “تقرير مصير الشعب الصحراوي”.
وتعكس محطة مدريد في المحصلة تحوّلا لافتا في مسار النزاع، من جمود تحكمه المواقف الإيديولوجية إلى مسار منظم تقن، وتحت إشراف أمريكي مباشر، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم ملامح الحل النهائي لقضية الصحراء.











