العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
يفتح المقترح الصيني الرامي إلى إبرام اتفاقية للتبادل الحر مع المغرب نقاشا اقتصاديا واستراتيجيا واسعا حول حدود الانفتاح التجاري وآفاقه، في ظل سعي المملكة إلى تنويع شركائها الاقتصاديين وتعزيز تموقعها داخل سلاسل الإنتاج العالمية. وبينما السوق الصينية، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فرصة واعدة أمام الصادرات المغربية تفرض المعطيات الحالية قراءة متأنية لتداعيات أي اتفاق محتمل على التوازنات التجارية والاقتصادية للمملكة.
كشف وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، أن السلطات المغربية تدرس حاليا الطلب الصيني دون أن تكون هناك مفاوضات رسمية انطلقت بين الطرفين، مؤكدا أن أي قرار في هذا الاتجاه سيستند إلى تقييم شامل للأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية للاتفاق ومدى انعكاسه على المصالح الوطنية.
يعكس هذا الموقف الحذر إدراكا لحجم الرهانات المرتبطة بعلاقة تجارية مع قوة اقتصادية بحجم الصين، خاصة وأن الميزان التجاري بين البلدين يميل بشكل واضح لصالح بكين، نتيجة التدفق الكبير للمنتجات الصناعية والتكنولوجية الصينية نحو السوق المغربية، مقابل حضور أكثر محدودية للمنتجات المغربية داخل السوق الصينية.
وتنظر الرباط إلى الاتفاق المحتمل من زاوية الفرص التي قد يتيحها للمقاولات الوطنية، خصوصاً في القطاعات الصناعية التي حققت خلال السنوات الأخيرة تطورا لافتا، مثل صناعة السيارات والطيران والصناعات المرتبطة بالطاقات المتجددة. فالولوج إلى سوق تضم أكثر من مليار وأربعمائة مليون مستهلك من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة أمام المنتجات المغربية الباحثة عن منافذ تصديرية خارج الأسواق التقليدية.
غير أن المكاسب المحتملة لا تحجب التحديات المرتبطة بفتح الأسواق أمام المنتجات الصينية، المعروفة بقدرتها التنافسية العالية وأسعارها المنخفضة، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة بعض القطاعات الإنتاجية الوطنية على مواجهة منافسة قد تكون أكثر حدة في حال تم تخفيض أو إلغاء الرسوم الجمركية بين البلدين.
تكتسب هذه الدراسة أهمية إضافية بالنظر إلى شبكة اتفاقيات التبادل الحر التي راكمها المغرب خلال العقدين الأخيرين مع شركاء اقتصاديين كبار، من بينهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول العربية والإفريقية. لذلك تسعى السلطات المغربية إلى ضمان انسجام أي اتفاق جديد مع التزاماتها التجارية القائمة، بما يحافظ على توازن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.
وفي خلفية هذا النقاش تبرز الدينامية المتسارعة للاستثمارات الصينية بالمغرب، خاصة في الصناعات المرتبطة بالبطاريات والسيارات الكهربائية، حيث أصبحت المملكة وجهة متزايدة الأهمية للمجموعات الصناعية الصينية الراغبة في التموقع بالقرب من الأسواق الأوروبية والإفريقية. وقد ساهم هذا الحضور الصناعي المتنامي في تعزيز مكانة المغرب كمنصة إنتاجية إقليمية، لكنه أثار في المقابل تحفظات أوروبية مرتبطة بتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني على الضفة الجنوبية للمتوسط.
وفي مواجهة هذه المخاوف تؤكد الرباط تمسكها بخيار الانفتاح الاقتصادي المتوازن، القائم على استقطاب الاستثمارات المنتجة للقيمة المضافة وفرص الشغل، بغض النظر عن مصدرها، ما دامت تساهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز القدرات الصناعية الوطنية.
وفي موازاة دراسة المقترح الصيني، يواصل المغرب توسيع شبكة شراكاته التجارية نحو مناطق جديدة، حيث تلوح في الأفق اتفاقية محتملة مع تشيلي، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز الحضور المغربي داخل أسواق أمريكا الجنوبية، وخاصة ضمن تكتل “ميركوسور”، بما يمنح الصادرات الوطنية فرصا إضافية للانتشار والتوسع.
وفي انتظار نتائج الدراسات الجارية، يبقى المؤكد أن أي قرار بشأن هذا المشروع لن يقاس فقط بحجم المبادلات التجارية المحتملة، بل بقدرته على تعزيز السيادة الاقتصادية للمملكة وتحويل الانفتاح التجاري إلى رافعة حقيقية للتنمية والإنتاج والتشغيل.











