وكالة الذكاء الاصطناعي في المغرب: طموح استراتيجي أم قفزة فوق بنية رقمية غير مكتمل؟

محرر مقالات10 يونيو 2026
وكالة الذكاء الاصطناعي في المغرب: طموح استراتيجي أم قفزة فوق بنية رقمية غير مكتمل؟

العيون الآن.

 

يوسف بوصولة – العيون

دخل الذكاء الاصطناعي لأول مرة بشكل مباشر إلى قلب النقاش التشريعي المغربي بعدما صادقت لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس المستشارين على مقترح قانون يروم إحداث وكالة وطنية للذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام بواحد من أكثر المجالات تأثيرا في الاقتصاد والمجتمع والأمن خلال العقود المقبلة.

يأتي المقترح الذي تقدمت به المستشارة البرلمانية هناء بن خير عن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب في سياق عالمي يشهد تسارعا غير مسبوق في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما يرافق ذلك من رهانات اقتصادية وفرص استثمارية ضخمة، مقابل تحديات قانونية وأخلاقية وأمنية متزايدة تفرض على الدول البحث عن آليات جديدة للتأطير والحكامة.

ورغم أن المشروع ما يزال في انتظار عرضه على الجلسة العامة للمصادقة النهائية، فإن النقاش الذي أثاره يعكس انتقال المغرب تدريجيا من الحديث عن الرقمنة والتحول الرقمي إلى التفكير في كيفية تنظيم واستثمار الذكاء الاصطناعي باعتباره إحدى التقنيات التي ستعيد تشكيل الاقتصاد العالمي وأنماط الإنتاج والخدمات خلال السنوات المقبلة.

يستند المقترح إلى قناعة مفادها أن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملا مؤثرا في مجالات متعددة تشمل الصحة والتعليم والصناعة والفلاحة والإدارة العمومية والأمن السيبراني، وهو ما يفرض وجود إطار مؤسساتي قادر على مواكبة هذه التحولات وضبط آثارها المختلفة.

كما يهدف المشروع إلى جعل الوكالة المرجع الوطني المختص بتنظيم وتطوير واستعمال الذكاء الاصطناعي، مع السعي إلى وضع السياسات والمعايير اللازمة لتأطير هذا المجال، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعزيز حضور المغرب داخل المنظمات والمحافل الدولية المعنية بحوكمة الذكاء الاصطناعي.

ويراهن أصحاب المبادرة على مجموعة من المؤهلات الوطنية التي يمكن أن تشكل قاعدة لهذا التوجه، من بينها التعداد السكاني الذي يفوق 38 مليون نسمة وما يوفره من معطيات وبيانات، إلى جانب الطبيعة الديمغرافية الفتية للمجتمع المغربي، ووجود خبرات وطنية متخصصة في مجالات البرمجة والبيانات الضخمة والأمن السيبراني، فضلا عن الاستراتيجية الوطنية للتحول الرقمي الممتدة إلى أفق 2030.

غير أن طرح فكرة إحداث وكالة وطنية للذكاء الاصطناعي فتح في المقابل باب التساؤلات حول مدى جاهزية المغرب للانتقال إلى هذه المرحلة في ظل استمرار عدد من التحديات المرتبطة بالرقمنة الأساسية.

وتتمحور هذه التساؤلات حول جدوى إحداث مؤسسة جديدة في وقت لا تزال فيه العديد من الخدمات الرقمية العمومية تواجه صعوبات في التنزيل والتعميم، إضافة إلى الإشكالات المرتبطة بتبادل البيانات بين المؤسسات، ومستوى الأمن السيبراني، وفعالية الأنظمة الرقمية المعتمدة في بعض القطاعات.

كما يطرح مراقبون تساؤلات بشأن ما إذا كان المغرب يتوفر اليوم على سياسة وطنية متكاملة للبيانات المفتوحة والبيانات الضخمة، باعتبارها العنصر الأساسي الذي تقوم عليه تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة.

تعتبر المستشارة البرلمانية هناء بن خير أن وجود هذه التحديات لا يشكل سببا لتأجيل المشروع، بل يمثل أحد أبرز دوافع إطلاقه وفق ما صرحت به لجريدة العيون الأن.

وتوضح أن الذكاء الاصطناعي ليس مرحلة منفصلة عن الرقمنة بل يمثل امتدادا طبيعيا لها، مؤكدة أن المغرب يحتاج إلى مؤسسة متخصصة تتولى التنسيق ووضع المعايير ومواكبة التحول الرقمي حتى لا يظل مجرد مستهلك للتكنولوجيا وإنما فاعلا ومؤطرا لها.

وترى المستشارة أن حوكمة الذكاء الاصطناعي تقوم أساسا على منطق الاستباق، معتبرة أن انتظار استكمال جميع الأوراش الرقمية قبل التفكير في الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى إضاعة سنوات ثمينة في سباق عالمي يتطور بوتيرة متسارعة.

وبحسب تصورها فإن المطلوب ليس الاختيار بين الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وإنما الاشتغال على المسارين في الوقت نفسه، عبر مواصلة تطوير الخدمات الرقمية الحالية وإعداد الإطار القانوني والمؤسساتي القادر على مواكبة التحولات التكنولوجية المستقبلية.

ومن بين أبرز الانتقادات التي يواجهها المشروع التخوف من أن يتحول إلى مؤسسة جديدة تنضاف إلى البنية الإدارية القائمة دون قيمة مضافة حقيقية.

غير أن بن خير ترفض هذا الطرح مؤكدة أن الوكالة المقترحة لا تهدف إلى الحلول محل المؤسسات والقطاعات القائمة، وإنما إلى لعب دور هيئة للحكامة والتنسيق.

وتشير إلى أن مقترح القانون يحافظ على اختصاصات مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات المعنية، بينما تضطلع الوكالة بمهمة وضع الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، وتطوير الكفاءات، وتأطير الاستعمال المسؤول لهذه التكنولوجيا، بما يضمن تجميع الجهود وتنسيقها بدل تكرارها أو تشتيتها.

ويولي المقترح أهمية خاصة لقضية البيانات، باعتبارها الوقود الأساسي لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي هذا الإطار، تنص مقتضيات المشروع على منح الوكالة صلاحيات مرتبطة بالمساهمة في اعتماد قواعد البيانات العمومية وتيسير الولوج إليها وفق الضوابط القانونية المعمول بها، مع احترام مقتضيات حماية المعطيات الشخصية.

وترى صاحبة المشروع أن هذه الخطوة يمكن أن تمهد لبناء سياسة وطنية أكثر وضوحا في مجال البيانات المفتوحة والبيانات الضخمة، بما يسمح باستثمار أفضل للمعطيات المتوفرة لدى المؤسسات العمومية.

كما يركز المشروع على مواجهة المخاطر الجديدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها التزييف العميق، ونشر الأخبار الزائفة، والهجمات السيبرانية، والاستعمالات المسيئة للتقنيات الذكية.

وتؤكد بن خير أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول إلى أداة فعالة لتعزيز الأمن السيبراني والكشف المبكر عن التهديدات الرقمية، لكنه قد يصبح في المقابل مصدرا لمخاطر جديدة في حال غياب الحكامة والتقنين المناسبين.

يمنح المشروع للوكالة المرتقبة اختصاصات واسعة تشمل اقتراح مشاريع القوانين والتعديلات التشريعية المرتبطة بالمجال، وتطوير مؤشرات الأداء، وإعداد التقارير الدورية، وتنسيق التعاون الدولي، والمساهمة في تكوين الكفاءات الوطنية.

كما ينص على تمتع الوكالة بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، مع إخضاعها للمراقبة المالية للدولة وللتدقيق الخارجي ضمانا للشفافية والحكامة.

وبينما يرى مؤيدو المشروع أنه خطوة استباقية ضرورية لتمكين المغرب من التموقع ضمن الاقتصادات الرقمية الصاعدة، يعتبر آخرون أن نجاح أي مؤسسة من هذا النوع سيظل رهينا بقدرتها على تقديم حلول عملية للتحديات الرقمية القائمة، وربط الطموحات التكنولوجية بالإمكانات الواقعية المتاحة.

ومهما يكن مآل المشروع خلال المراحل التشريعية المقبلة، فإن النقاش الذي أثاره يكشف بوضوح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعا تقنيا محصورا في المختبرات والجامعات، بل أصبح ملفا سياسيا واستراتيجيا يفرض نفسه على أجندة التشريع وصناعة القرار بالمغرب، في وقت تتسابق فيه الدول لتحديد موقعها داخل الاقتصاد العالمي الجديد القائم على البيانات والخوارزم

الاخبار العاجلة