العيون الآن
السالكة دايداـ العيون
منذ سنوات طويلة، لم تعد التعيينات التي تعلنها قيادة جبهة البوليساريو تحمل أي معنى سياسي أو تغيير حقيقي، بقدر ما أصبحت مجرد واجهة شكلية لإعادة ترتيب نفس الوجوه داخل دائرة مغلقة لا تعترف لا بالكفاءة ولا بمتطلبات المرحلة. فالمشكل لم يعد في الأشخاص فقط، بل في بنية كاملة تقوم على الشعارات بدل الواقع المرير الذي تعيشه ساكنة ازيد من خمسة عقود.
الحديث عن “رئاسة” أو “مناصب عليا” داخل هذا الكيان يفتقد في جوهره لأي سند واقعي، لأن ما يوجد فعليا ليس مؤسسات قائمة على قواعد الحكامة، بل منظومة مغلقة تتحكم فيها نفس القيادات منذ عقود، دون مساءلة أو محاسبة أو حتى أفق للتغيير، هذه القيادة التي تجاوزت أعمارها السياسية والزمنية حدود المعقول، ما تزال تدير نفس الخطاب ونفس الأدوات، وكأن الزمن متوقف، غير مدركة أن جيلا كاملا داخل المخيمات لم يعد يؤمن بتلك الشعارات التي استهلكت دون نتائج.
التعيينات الأخيرة لم تكن سوى تأكيد جديد على هذا الجمود، حيث تم إعادة توزيع الأدوار بين نفس الأسماء، في مشهد يعكس غيابا تاما لأي إرادة في فتح الباب أمام جيل جديد قادر على التفكير خارج الصندوق. وفي المقابل، يعيش شباب المخيمات وضعا خانقا، حيث تتراكم الإحباطات يوما بعد يوم، في ظل غياب فرص حقيقية للتعليم الجيد أو الشغل أو حتى التعبير عن الرأي، وهو ما يجعلهم يشعرون بأنهم مجرد ضحايا لمرحلة لا تنتهي.
الأخطر أن هذا الوضع لم يعد خافيا، بل أصبح حديثا يوميا داخل المخيمات، حيث يتساءل الشباب عن جدوى استمرار نفس القيادة التي لم تحقق أي تقدم ملموس، بل زادت من تعقيد الأزمة وأطالت عمرها.لقد تحولت المساعدات الإنسانية، التي كان يفترض أن تخفف من معاناة السكان، إلى نقطة سوداء في سجل هذه القيادة، حيث تتزايد الشكوك حول طرق تدبيرها، في ظل غياب الشفافية واحتكار القرار.
وفي الوقت الذي يعاني فيه أغلب السكان من الفقر والتهميش، تظهر فوارق واضحة في مستوى العيش، خاصة لدى فئة مرتبطة بالقيادة، وهو ما يعمق الإحساس بالظلم ويفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة. أما أبناء القيادات، فقد تم تأمين مستقبلهم خارج المخيمات، سواء عبر التعليم في الخارج أو الاستفادة من امتيازات مختلفة، في تناقض صارخ مع واقع شباب يعيش على الهامش بلا أفق واضح.
هذا الواقع خلق قناعة متزايدة لدى الشباب بأن استمرار الوضع الحالي لا يخدم سوى فئة محدودة، وأن الشعارات التي ترفع لم تعد سوى غطاء لإطالة أمد الأزمة، الهجرة أصبحت الحلم الأكبر، بل الحل الوحيد في نظر الكثيرين، حيث يسعى الشباب إلى مغادرة المخيمات بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر، هروبا من واقع لا يطاق.
ولم يعد هذا الإحساس مقتصرا على الداخل فقط، بل بدأ يمتد إلى الخارج، حيث تعبر بعض الأصوات التي كانت تدعم الجبهة عن رغبتها في إنهاء هذا الملف بشكل نهائي، بعيدا عن الحسابات الضيقة.إن الإصرار على نفس النهج، ورفض أي تغيير حقيقي، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من العزلة، لأن العالم اليوم لا يعترف بالكيانات التي تفتقد إلى مؤسسات حقيقية وإرادة إصلاح.
الحل لم يعد في إعادة تدوير نفس القيادات أو إنتاج نفس الخطاب، بل في فتح نقاش جريء ومسؤول حول مستقبل هذا الملف، بعيدا عن الشعارات التي لم تعد تقنع أحدا.
ورغم كل هذا، يبقى الأمل معقودا على وعي الشباب، وقدرتهم على كسر هذا الجمود، والبحث عن حل نهائي ينهي معاناتهم، ويمنحهم فرصة للعيش بكرامة، بعيدا عن واقع الانتظار الذي طال أكثر مما يجب.











