العيون الآن.
يوسف بوصولة
لم يكن اختيار المخرج العالمي كريستوفر نولان لمدينة الداخلة ضمن مواقع تصوير فيلمه الجديد “The Odyssey” قرارا سياسيا كما تحاول جهات موالية لجبهة البوليساريو تصويره، بل جاء في سياق فني وإنتاجي بحت، انسجاما مع تقاليد صناعة السينما العالمية التي تختار مواقع التصوير وفق ما توفره من مؤهلات طبيعية ولوجستية وتقنية لا وفق الأجندات الإيديولوجية.
ورغم ذلك سارعت أطراف مرتبطة بالطرح الانفصالي يتقدمها منظمو مهرجان FiSahara المقام في مخيمات تندوف، إلى إطلاق حملة دولية تدعو إلى مقاطعة الفيلم، في محاولة لإضفاء حمولة سياسية على عمل سينمائي عالمي، وإقحام الفن في نزاع سياسي لا علاقة له بالإنتاج السينمائي.
هذه الحملة لا تستهدف فيلم “الأوديسة” في حد ذاته بقدر ما تستهدف نجاح المغرب المتزايد في ترسيخ مكانته كوجهة عالمية لصناعة السينما، بعدما أصبح يستقطب أكبر شركات الإنتاج والاستوديوهات الهوليوودية التي صورت عشرات الأعمال العالمية في مدن مغربية مختلفة، بفضل الاستقرار السياسي، والبنيات التحتية المتطورة والخبرة التقنية التي راكمها المغرب على مدى عقود.
إن تحويل اختيار موقع تصوير إلى مادة للدعاية السياسية يكشف أزمة الخطاب الانفصالي أكثر مما يعكس واقعا ميدانيا. فلو كان تصوير الأفلام يخضع للنزاعات السياسية لما استمرت كبريات شركات الإنتاج في التصوير داخل عشرات المناطق المتنازع عليها أو المختلف بشأنها عبر العالم، ولما أصبحت صناعة السينما قائمة على معيار الإبداع والجدوى الإنتاجية بدل الحسابات السياسية.
واللافت أن الحملة لم تقدم أي اعتراض على مضمون الفيلم أو رسالته الفنية، بل انحصرت بالكامل في موقع تصوير بعض مشاهده بمدينة الداخلة، وهو ما يؤكد أن الهدف الحقيقي هو استثمار الزخم الإعلامي الذي يرافق عملا سينمائيا ضخما لتحقيق مكاسب دعائية مرتبطة بالنزاع الإقليمي حول الصحراء، أكثر من كونه نقاشا حول السينما أو حرية الإبداع.
في المقابل فإن مجرد اختيار الداخلة ضمن فضاءات تصوير أحد أضخم الإنتاجات الهوليوودية خلال السنوات الأخيرة يمثل اعترافا عمليا بما توفره المدينة من مؤهلات طبيعية وسياحية ولوجستية، ويعكس الثقة التي باتت تحظى بها الأقاليم الجنوبية لدى كبريات شركات الإنتاج الدولية، التي تخضع قراراتها لمعايير احترافية دقيقة تشمل الأمن، وسهولة التصوير وجودة الخدمات، والبنية التحتية، وليس للاعتبارات السياسية التي تحاول بعض الجهات فرضها.
غير أن ما يكشفه هذا الجدل أيضا هو وجود قصور في المواكبة التواصلية المغربية. ففي الوقت الذي تحركت فيه المنصات الموالية للبوليساريو بسرعة لفرض روايتها داخل عدد من وسائل الإعلام الأجنبية، غاب خطاب مؤسساتي يبرز القيمة الاقتصادية والسياحية والثقافية لاستضافة إنتاج عالمي بهذا الحجم، ويشرح للرأي العام الدولي أسباب اختيار الداخلة باعتبارها فضاء سينمائيا استثنائيا.
لقد أثبتت التجارب الحديثة أن معارك الصورة لم تعد تقل أهمية عن المعارك الدبلوماسية. فالإنتاجات السينمائية العالمية أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة، وأي نجاح يحققه المغرب في هذا المجال يستدعي مواكبة إعلامية واستراتيجية متكاملة تحول هذه الإنجازات إلى رصيد دولي دائم، بدلا من ترك المجال مفتوحا أمام حملات دعائية تحاول إعادة تأويل الوقائع لخدمة أجندات سياسية.
وفي نهاية المطاف لن تغير دعوات المقاطعة حقيقة بسيطة مفادها أن شركات الإنتاج العالمية لا تبني قراراتها على بيانات الحملات الإلكترونية، بل على اعتبارات مهنية واستثمارية دقيقة. واختيار الداخلة ضمن خريطة تصوير فيلم من توقيع كريستوفر نولان يندرج ضمن هذا المنطق الاحترافي، ويؤكد أن المدينة أصبحت حاضرة في المشهد السينمائي الدولي مهما حاولت بعض الأطراف التشويش على ذلك.











