الشيخ لارباس بن الشيخ محمد الأغظف بن الشيخ ماءالعينين.. مسيرة عالم ومقاوم في خدمة الوطن والعلم

محرر مقالات2 سبتمبر 2026
الشيخ لارباس بن الشيخ محمد الأغظف بن الشيخ ماءالعينين.. مسيرة عالم ومقاوم في خدمة الوطن والعلم

العيون الآن.

 

برحيل الشيخ لارباس بن الشيخ محمد الأغظف بن الشيخ ماء العينين اليوم بالطنطان يفقد المغرب أحد أبرز الوجوه العلمية والقضائية والوطنية بالأقاليم الجنوبية، ورجلا امتد مساره من مقاومة الاستعمار الإسباني إلى القضاء والتأطير الديني والعمل المؤسساتي.

ولد الراحل في بداية ثلاثينيات القرن الماضي بمنطقة تافودارت نواحي العيون، ونشأ في أسرة عريقة في العلم والتربية والجهاد، فهو ابن الشيخ محمد الأغظف وحفيد الشيخ ماء العينين، أحد أبرز أعلام الصحراء ومؤسس مدرسة علمية وروحية امتد إشعاعها داخل المغرب وخارجه.

حفظ القرآن الكريم وتلقى علوم الفقه والحديث واللغة العربية والعلوم الشرعية في كنف والده وعلى أيدي عدد من علماء الصحراء، في بيئة علمية شكلت شخصيته ومساره.

وفي شبابه، انخرط الشيخ لارباس في العمل المناهض للاستعمار الإسباني، وكان ضمن وفد من أبناء وأعيان الصحراء توجه إلى الرباط، في أعقاب عودة المغفور له محمد الخامس من المنفى، للقاء جلالته وولي عهده آنذاك الأمير مولاي الحسن، والتعبير عن تشبث أبناء الصحراء بوطنهم وبيعتهم للعرش العلوي.

وتعرض الراحل بسبب نشاطه المناهض للاستعمار للاعتقال على يد السلطات الإسبانية، وتنقل بين معتقلات العيون والداخلة، قبل نقله إلى جزيرة فويرتيفنتورا بجزر الكناري.

ومع بداية ستينيات القرن الماضي، التحق الراحل بسلك القضاء، فعمل قاضيا شرعيا بأكادير وتارودانت سنة 1960، ثم انتقل سنة 1962 إلى طانطان، حيث تدرج في المسؤوليات القضائية إلى أن تولى رئاسة المحكمة الابتدائية بالمدينة مطلع سبعينيات القرن الماضي.

وفي سنة 1981، تولى مهام الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالعيون، قبل أن يواصل مساره القضائي إلى أن شغل منصب رئيس غرفة بالمجلس الأعلى، محكمة النقض حاليا، مختتما مسارا جمع بين التكوين الشرعي والخبرة القضائية والعمل المؤسساتي.

وشكلت سنة 1975 محطة بارزة في مساره الوطني، بمشاركته في المسيرة الخضراء المظفرة، في امتداد لمسار بدأه في مواجهة الاستعمار والدفاع عن ارتباط الصحراء بالمغرب.

وظل الشيخ لارباس ثابتا في مواقفه الوطنية، مدافعا عن الوحدة الترابية للمملكة، وفيا لوطنه، راسخ التعلق بالعرش العلوي المجيد، ومتمسكا بالعهد الذي حمله عن آبائه وأجداده.

وبموازاة مساره القضائي، اضطلع بمسؤوليات علمية ودينية، فارتبط برابطة علماء المغرب منذ ستينيات القرن الماضي،ه وتولى مسؤوليات داخلها على المستويين المحلي والوطني.

وفي سنة 1981، تولى رئاسة المجلس العلمي بالعيون، وهي المسؤولية التي اضطلع بها لأكثر من أربعة عقود، مساهما في التأطير الديني والعلمي ونشر قيم الوسطية والاعتدال وترسيخ الثوابت الدينية للمملكة.

وفي يونيو 2023، عينه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، بظهير شريف، عضوا بالمجلس العلمي الأعلى، تتويجا لمسار طويل في خدمة الحقل الديني والعلمي.

وإلى جانب مسؤولياته القضائية والدينية، ترك الراحل إسهامات علمية وفكرية اهتمت بتاريخ الصحراء وتراثها وصلاتها التاريخية بالمغرب والعرش العلوي، من بينها دراسة “وفاء علماء الصحراء لبيعة الملوك العلويين”، فضلا عن أبحاث حول الحياة الفكرية والحضارية بالصحراء وأعلامها وتراث أسرة الشيخ ماء العينين.

ونشر عددا من مساهماته في منابر علمية وثقافية، من بينها مجلتا “دعوة الحق” و”المناهل”، إلى جانب اهتمامه بالأدب والشعر والتاريخ.

وحظي الشيخ لارباس خلال مساره بعدد من الأوسمة والتوشيحات تقديرا لخدماته في مجالات القضاء والعلم والعمل الوطني. ففي سنة 1974 وشحه المغفور له الملك الحسن الثاني بأكادير بوسام من درجة فارس، وحصل سنة 1975 على وسام المسيرة الخضراء، ثم سنة 1994 على وسام من درجة ضابط.

وفي سنة 2000، وشحه صاحب الجلالة الملك محمد السادس بمدينة مراكش بوسام القلادة من درجة قائد، كما حصل سنة 2003 على وسام للمقاومة من درجة قائد، تقديرا لمساره في مقاومة الاستعمار وخدمة الوطن.

وبوفاة الشيخ لارباس بن الشيخ محمد الأغظف، تفقد المملكة المغربية واحدا من رجالات جيل عايش مرحلة الاستعمار وقاومه، وشارك في المسيرة الخضراء، وأسهم على مدى عقود في خدمة القضاء والحقل الديني والعلمي.

الاخبار العاجلة