العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
فتحت الحكومة الإسبانية الباب أمام نشر التقارير الاستخباراتية والأمنية المرتبطة بأزمة الدخول الجماعي إلى سبتة، بعدما أعلنت وزارة الدفاع عدم اعتراضها من حيث المبدأ على رفع السرية عن الوثائق التي أعدها المركز الوطني للاستخبارات الإسباني بشأن أحداث نهاية يوليوز الماضي.
غير أن الإفراج عن هذه الوثائق لن يكون بالضرورة كاملا أو تلقائيا، إذ نبهت وزارة الدفاع إلى ضرورة التعامل بحذر مع محتوياتها، خصوصا أن بعضها قد يتضمن معلومات سرية مصدرها أجهزة استخبارات أجنبية، بما قد يجعل نشرها مرتبطا باعتبارات تتجاوز الشفافية الداخلية إلى متطلبات الأمن والعلاقات الدولية.
يأتي ذلك بعد إعلان رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عزمه نشر الوثائق التي توصلت بها الحكومة خلال الفترة الممتدة من فاتح يوليوز إلى فاتح غشت، والمتعلقة بأزمة سبتة، في خطوة قدمها باعتبارها جزءا من تعزيز الشفافية بشأن تدبير الأزمة.
يحظى نشر التقارير الأمنية والاستخباراتية بأهمية خاصة في ظل الجدل السياسي الذي أعقب موجة الدخول الجماعي إلى سبتة، وما رافقها من تساؤلات حول المعلومات التي كانت متوفرة لدى السلطات الإسبانية قبل اندلاع الأحداث، وكيفية تقييمها، ومدى استعداد المؤسسات الأمنية للتعامل معها.
كما أثار إعلان سانشيز تفاعلات داخل الحكومة والبرلمان، بعدما صفق عدد من أعضاء الحكومة للخطوة، في مقدمتهم وزير الداخلية، بينما أثار عدم مشاركة وزيرة الدفاع في التصفيق بعض التساؤلات قبل أن تقلل مصادر مقربة منها من أهمية الواقعة.
لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في الإعلان عن نشر الوثائق بقدر ما سيكون في طبيعة المعلومات التي ستتاح للرأي العام، وما إذا كانت ستتضمن المعطيات الأساسية التي تسمح بفهم كيفية تدبير الأزمة واتخاذ القرارات خلالها.
المسار يطرح في الوقت نفسه إشكالية دقيقة تتعلق بالحد الفاصل بين الحق في الاطلاع والحفاظ على الأسرار المرتبطة بالأمن القومي.
فوجود معلومات مصدرها أجهزة استخبارات أجنبية، أو معطيات قد تكشف أساليب العمل والتنسيق الأمني، يمكن أن يفرض قيودا على عملية النشر، حتى في حال وجود قرار سياسي برفع السرية عن جزء من الوثائق.
وبذلك تجد الحكومة الإسبانية نفسها أمام معادلة صعبة: تقديم قدر أكبر من المعلومات حول أزمة أثارت جدلا واسعا، من دون الكشف عن معطيات يمكن أن تمس بالمصالح الأمنية أو بعلاقات التعاون الاستخباراتي مع دول أخرى.
وبالتوازي مع الجدل حول الوثائق الاستخباراتية، أخذ ملف سبتة بعدا قضائيا بعدما وجه وزير الداخلية رسالة إلى رئيسة المجلس العام للسلطة القضائية، معربا عن قلقه من قرار قضائي يمنع فريق الشرطة الوطنية المكلف بالتحقيق من نقل معلومات حول أبحاثه إلى مسؤوليه التسلسليين.
واعتبر الوزير أن خطورة الأحداث دفعت الحكومة إلى إعلان وضعية اهتمام بالأمن القومي بموجب قانون الأمن القومي، مؤكدا أن تمكين الحكومة من المعلومات الضرورية لاتخاذ القرارات لا ينبغي من وجهة نظره أن يتعارض مع استقلال القضاء.
غير أن رئاسة المحكمة العليا والمجلس العام للسلطة القضائية شددت على مبدأ آخر: الهيئات القضائية لا تملك صلاحية المصادقة على قرارات القضاة أو تصحيحها، وأن استقلال القاضي يقتضي احترام قراراته داخل الإطار الدستوري والقانوني.
وأقرت رئيسة المحكمة العليا بخطورة الوضعية التي خلفتها أزمة سبتة، لكنها اعتبرت أن الإجراءات التي اتخذتها القاضية المكلفة بالملف تدخل ضمن اختصاصاتها القانونية، وبالتالي يتعين على مختلف المؤسسات احترام استقلالية السلطة القضائية.
وهكذا تجمع أزمة سبتة بين مسارين متوازيين مسار سياسي يسعى إلى كشف أكبر قدر ممكن من الوثائق لفهم ما جرى، ومسار أمني وقضائي يضع حدودا أمام نشر المعلومات والتدخل في التحقيقات.
ويبقى الرهان بالنسبة للحكومة الإسبانية هو تحقيق التوازن بين حق الرأي العام في معرفة كيفية تدبير واحدة من أكثر الأزمات حساسية، وبين حماية المعلومات الاستخباراتية واحترام استقلال القضاء.
وفي انتظار ما ستكشفه الوثائق فعليا تظل الأسئلة الأهم مرتبطة بما كانت تعرفه المؤسسات الإسبانية قبل الأزمة، وكيف تعاملت مع تلك المعطيات، وما إذا كان نشر التقارير سيقدم إجابات واضحة عن هذه النقاط أم سيبقي جانبا كبيرا من الملف خلف جدار السرية.




