أصوات الأحياء ترتفع رقميا.. كيف تغير المشهد ببوجدور؟

محرر مقالات22 سبتمبر 2026
أصوات الأحياء ترتفع رقميا.. كيف تغير المشهد ببوجدور؟

العيون الآن 

طارق أخراب / بوجدور 

 

شهدت مدينة بوجدور، خلال الفترة الأخيرة، بروز عدد من الصفحات والمنصات الرقمية التي تحمل أسماء أحياء المدينة، من بينها حي التنمية، القطب الحضري، حي الوحدة، حي العودة، إلى جانب صفحات أخرى تمثل أحياء ومناطق مختلفة من المدينة. ورغم اختلاف طبيعة هذه الصفحات وطريقة اشتغالها، فإن حضورها المتزايد على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح لافتا، بعدما تحولت من مجرد فضاءات لتبادل الأخبار والصور المحلية إلى منصات تطرح من خلالها قضايا مرتبطة بالحياة اليومية للسكان.

 

هذا الحضور الرقمي الجديد أحدث تحولا واضحا في طريقة تداول القضايا المحلية، إذ أصبح بإمكان سكان كل حي التعبير بشكل مباشر عن انتظاراتهم، ونقل المشاكل التي يعيشونها، ومناقشة ملفات ترتبط بالخدمات الأساسية والبنية التحتية والنظافة والإنارة والطرق والمرافق وغيرها من القضايا التي تهم الحياة اليومية. وبذلك، لم تعد القضايا المحلية تمر بالضرورة عبر القنوات التقليدية فقط، بل أصبح الهاتف وصفحة الحي وسيلة سريعة لإيصال المعلومة والصورة والمطلب إلى عدد واسع من المتابعين.

 

واللافت أن تأثير هذه الصفحات لم يعد مقتصراعلى الجانب الاجتماعي والخدماتي، بل امتد تدريجيا إلى النقاش العمومي الأوسع داخل المدينة، بما في ذلك القضايا ذات الأبعاد السياسية والانتخابية. فقد أصبحت صفحات الأحياء فضاءً للنقاش حول واقع المدينة، وأولوياتها، وانتظارات سكانها، كما أصبحت تعكس جزءاً من المزاج العام داخل الأحياء، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها تمثل جميع السكان أو تتحدث باسمهم بشكل رسمي.

 

ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذه الصفحات باعتبارها شكلا جديدا من أشكال المشاركة المحلية، خصوصا بالنسبة إلى فئات أصبحت تعتمد بشكل كبير على المنصات الرقمية للحصول على المعلومات والتعبير عن مواقفها. فحين ينشر أحد سكان حي معين صورة لمشكلة في شارع أو مرفق، أو يطرح سؤالا حول مشروع أو خدمة، فإن المنشور قد يتحول خلال ساعات إلى موضوع نقاش يتجاوز حدود الحي نفسه، ويجعل القضية جزءا من النقاش العام داخل المدينة.

 

لكن هذا الدور المتزايد يطرح في المقابل مسؤوليات جديدة. فكلما ارتفع تأثير صفحات الأحياء، ازدادت الحاجة إلى التحقق من الأخبار قبل نشرها، والتمييز بين المعلومة والرأي، وتجنب نشر الاتهامات غير الموثقة أو تحويل الخلافات المحلية إلى صراعات شخصية. كما أن قوة هذه الصفحات لا تقاس فقط بعدد المتابعين أو حجم التفاعل، وإنما أيضا بقدرتها على تقديم نقاش مسؤول، ونقل انشغالات السكان بطريقة واضحة، وفتح المجال أمام مختلف الآراء.

 

وتبرز هنا مسألة أخرى مهمة، وهي العلاقة بين هذه الصفحات والمؤسسات المنتخبة والإدارية والمجتمع المدني. فوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون قناة للتنبيه إلى الاختلالات، لكنها يمكن أيضاً أن تتحول إلى مساحة للحوار واقتراح الحلول وتتبع المشاريع، وهو ما يجعل دورها أكثر فاعلية عندما تنتقل من مجرد عرض المشاكل إلى المساهمة في النقاش حول الحلول والبدائل.

 

كما أن تعدد صفحات الأحياء يمكن أن يمنح المدينة صورة أكثر تفصيلا عن واقعها الاجتماعي، لأن لكل حي أولوياته وخصوصياته وانشغالاته. ومن هنا يمكن أن تصبح هذه الصفحات، إذا تم الاشتغال عليها بمهنية ومسؤولية، نوعاً من الأرشيف الرقمي للحياة اليومية ببوجدور، يوثق التحولات التي تعرفها الأحياء، والمشاكل المطروحة، والمبادرات المحلية، وتفاعل السكان معها.

 

وبوجدور اليوم أمام ظاهرة رقمية تستحق التوقف عندها: لم يعد للمدينة صوت واحد في مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت لها أصوات متعددة بعدد أحيائها وفعالياتها ومواطنيها. وهذا التنوع يمكن أن يكون عاملا إيجابيا في إثراء النقاش العمومي، شريطة أن يظل الاختلاف في الآراء ضمن حدود الحوار، وأن تكون المعلومة موثوقة، وأن يكون الهدف النهائي هو طرح القضايا والدفاع عن مصالح السكان، لا تحويل الفضاء الرقمي إلى ساحة للصراع.

 

وفي النهاية، فإن صفحات الأحياء ليست مجرد صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي؛ إنها تعبير عن تحول في طريقة تواصل سكان بوجدور مع قضايا مدينتهم. ويبقى السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: هل ستتمكن هذه الصفحات من الانتقال من مجرد نقل انشغالات الأحياء إلى المساهمة في بناء نقاش محلي أكثر تنظيما ووعيا وتأثيرا؟

الاخبار العاجلة