العيون الآن
حمزة وتاسو – العيون.
في مشهد يعيد طرح أسئلة حادة حول مصداقية الخطاب الإعلامي الرسمي، تتصدر طريقة تناول بعض المنابر الجزائرية لتطورات اللجنة الرابعة التابعة للأمم المتحدة واجهة الجدل، بعدما تداولت روايات تزعم أن اللجنة صوتت بالإجماع ضد ما تصفه تلك المنابر بـ »الاحتلال المغربي للصحراء الغربية »، في صياغة توحي بتحقق انتصار دبلوماسي حاسم، بينما تستدعي الأرقام المنسوبة إلى التصويت قراءة دقيقة بعيدا عن التهويل والتوظيف الدعائي.
وتكشف المعطيات المتداولة أن القرار الذي صاغته الولايات المتحدة واقترحته السنغال وصوت المغرب لصالحه حظي بـ152 صوتا مؤيدا، مقابل صوتين معارضين وسبعة امتناعات، وهي حصيلة لا تنسجم مع رواية تتحدث عن تصويت بالإجماع ضد المغرب، ما يفرض التمييز بين الوقائع الإجرائية الموثقة والتأويلات التي تقدمها بعض المنابر باعتبارها حقائق نهائية.

وتضع هذه المفارقة الخطاب الإعلامي المعني أمام اختبار المصداقية فحين تتحول نتائج التصويت الدولي إلى شعارات انتصار لا تعكس طبيعة القرار أو اتجاه الأصوات، يصبح الجمهور أمام رواية انتقائية تحجب تفاصيل الحدث بدلا من شرحها، ولا يتعلق الأمر بمجرد اختلاف في التفسير السياسي، بل بضرورة نقل نتيجة التصويت كما جرت، وتحديد مضمون القرار والجهة التي قدمته ومواقف الدول منه، قبل إطلاق أحكام قاطعة بشأن دلالاته.
وتبرز أهمية التدقيق في هذه القضية من كون اللجنة الرابعة، المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، تعمل ضمن منظومة أممية تحكمها إجراءات ومداولات وصيغ للقرارات لا يمكن اختزالها في عناوين دعائية، كما أن التصويت على نص أممي لا يعني بالضرورة تبني جميع التأويلات السياسية التي تلحقه به الأطراف المختلفة، الأمر الذي يجعل الاطلاع على النص الأصلي ومحضر التصويت شرطا أساسيا لفهم ما جرى.
وتتجاوز تداعيات هذا النوع من التغطية حدود السجال المغربي الجزائري، لتطال ثقة الجمهور في وسائل الإعلام وقدرته على التمييز بين الخبر والتعبئة السياسية، فالتكرار المكثف لرواية غير دقيقة حتى وإن حظيت بانتشار واسع، لا يحولها إلى حقيقة كما أن الاحتفاء بنتيجة دولية من دون عرض تفاصيلها قد يمنح الجمهور انطباعا مضللا عن طبيعة المواقف داخل الأمم المتحدة.
وتفرض المهنية الصحفية في المقابل إخضاع الادعاءات المتداولة للتحقق من مصادرها الأصلية، وعدم الاكتفاء بما تنشره الحسابات أو المنابر القريبة من المواقف الرسمية، فالمعيار ليس حجم الضجيج الذي يصاحب الإعلان عن »انتصار »، بل مدى تطابق الرواية مع الوثائق والأرقام والسياق الدبلوماسي الفعلي.
وتبقى الخلاصة أن نتائج التصويت الأممي لا تقرأ بالشعارات ولا تحسمها الاحتفالات الإعلامية، وإنما يحدد معناها نص القرار وسجل التصويت والإطار القانوني والسياسي الذي وردت فيه، وبين رواية تكتفي بإعلان الانتصار ووقائع تستوجب الفحص والتدقيق، تظل مصداقية الإعلام رهينة قدرته على نقل ما حدث فعلا لا ما يرغب جمهوره في تصديقه.
