العيون الآن.
يوسف بوصولة
قبل أكثر من ثلاثة عقود عبر اثنان من أبرز رموز الثورة الجزائرية والدولة المستقلة، أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد عن مواقف واضحة وصريحة داعمة لمغربية الصحراء، في لحظة تاريخية كانت فيها الرؤى السياسية المغاربية أكثر اتساعا من الحسابات الإيديولوجية الضيقة التي ستفرضها لاحقا المؤسسة العسكرية الجزائرية.
ففي التشكيلة الأولى للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، التي أُعلن عنها في 19 شتنبر 1958 بالقاهرة، كان كل من بن بلة وآيت أحمد وزيرين للدولة، وقد أعلنا حينها دعمهما المطلق لمغربية الصحراء، ودعوا إلى معالجة هذا الملف في إطار مغاربي جامع، يقوم على الحوار والتكامل بدل التفكيك والصدام.
غير أن هذا الصوت السياسي سرعان ما تراجع داخل الجزائر بعد المسيرة الخضراء سنة 1975، حيث بات المجال العام خاضعا لتوجهات قادة الجيش، الذين تبنوا موقفا معاديا للوحدة الترابية للمغرب. وفي هذا السياق شكل أحمد بن بلة أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال، وحسين آيت أحمد أحد أبرز قادة الثورة ومؤسس جبهة القوى الاشتراكية، استثناء نادرا داخل المشهد السياسي الجزائري.
في 16 دجنبر 1985 لم يتردد الرجلان في تجديد مواقفهما خلال مؤتمر صحفي بلندن. فقد أكد أحمد بن بلة أن “الجزائر ليست لها مصلحة في تقطيع أوصال المغرب”، مشددا على أن قضية الصحراء “ليست مشكلة شخص أو نظام، بل قضية شعب وتاريخ”. وأضاف أن للمغرب “عمقا تاريخيا حقيقيا”، مذكّراً بأن جميع السلالات الحاكمة في المغرب، من المرابطين إلى العلويين، انحدرت من الساقية الحمراء، وأن السلطة السياسية في تاريخ المغرب “كانت دائما تتمركز في الصحراء”.
من جهته استحضر حسين آيت أحمد محاولة تعود إلى سنة 1961، خلال عهد رئيس الوزراء الفرنسي ميشيل ديبري، لإنشاء كيان صحراوي داخل التراب الجزائري، بدعم بعض وجهاء الجنوب، من بينهم حمزة بوبكر. وتساءل بلهجة نقدية: “لماذا نؤيد تفكيك المغرب ونحن نرفض ذلك داخل حدودنا؟”، في إحالة مباشرة على التناقض الصارخ في الموقف الرسمي الجزائري.
ولم تتوقف مواقف بن بلة عند حدود التشخيص التاريخي، إذ عاد في ماي 2006، خلال وجوده بمدينة مراكش، ليعلن دعمه الصريح لحل سياسي لقضية الصحراء يقوم على الحكم الذاتي الموسع في إطار السيادة المغربية، مؤكدا أنه دافع عن هذا الطرح منذ سنوات طويلة، بما في ذلك خلال نقاشات احتضنتها إسبانيا.
أما حسين آيت أحمد فقد ظل من أبرز المؤمنين بالمصير المشترك لشعوب المنطقة المغاربية، حتى قبل الإعلان الرسمي عن اتحاد المغرب العربي في فبراير 1989. واعتبر أن التجربة الأوروبية، التي تجاوزت صراعات الحدود لصالح الوحدة، تقدم درسا بليغا لدول المغرب الكبير. وقال إن الوحدة المغاربية يجب أن تبنى من أجل التنمية وإنقاذ الذات، لا من أجل العداء أو الصراع.
وفي دجنبر 1985 شدد آيت أحمد على أن اقتصادات دول المنطقة “لا يمكن أن تكون قابلة للحياة إلا داخل تكتل مغاربي”، منتقدا النزعة القومية الضيقة، ومؤكدا أن الإسلام، كمرجعية حضارية مشتركة، لا يعترف بهذا النوع من الإيديولوجيات الإقصائية. كما طرح رؤية إنسانية لساكنة الصحراء، متسائلا عن جدوى عزل القبائل الصحراوية وعلى رأسها الرقيبات، عن امتدادها الطبيعي في الفضاء المغاربي، ومنعها من التنقل الحر الذي شكّل جوهر نمط عيشها التاريخي.
ورغم وضوح هذه الشهادات السياسية والتاريخية، يواصل صانع القرار العسكري في الجزائر تجاهل أصوات جزائرية وازنة دعت إلى تجاوز منطق العداء للمغرب، والتخلي عن دعم الطرح الانفصالي والانخراط في بناء اتحاد مغاربي قوي. وهو تجاهل لا يعكس فقط قطيعة مع إرث سياسي جزائري عقلاني، بل يكرس أيضا مأزقا إقليميا يعطّل التنمية ويُبقي المنطقة رهينة حسابات الحرب الباردة وشعارات تجاوزها الزمن.
