المغرب يدخل عصر ”هيمارس”…قوة نارية دقيقة تعيد رسم معادلة المدفعية والعمق الاستراتيجي

محرر مقالات8 سبتمبر 2026
المغرب يدخل عصر ”هيمارس”…قوة نارية دقيقة تعيد رسم معادلة المدفعية والعمق الاستراتيجي

العيون الآن.

حمزة وتاسو – العيون.

 

تتجه القوات المسلحة الملكية المغربية إلى تعزيز قدراتها في مجال المدفعية الصاروخية بعيدة المدى، في إطار مسار متواصل لتحديث منظوماتها الدفاعية ورفع جاهزيتها العملياتية، مع تقدم مشروع إدماج منظومة M142 HIMARS الأمريكية ضمن ترسانتها العسكرية، ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة بالنظر إلى ما توفره المنظومة من قوة نارية دقيقة وسرعة عالية في الحركة والانتشار، وقدرة على الاندماج ضمن شبكات الاستطلاع والقيادة والتحكم الحديثة، بما يعزز مرونة القوات المسلحة الملكية في التعامل مع مختلف السيناريوهات والتهديدات داخل مجالها الاستراتيجي الواسع.

 

وكانت الولايات المتحدة قد وافقت، عبر وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية، على بيع محتمل للمغرب يشمل 18 راجمة من طراز HIMARS، إلى جانب حزمة من الصواريخ الموجهة والتجهيزات المرتبطة بالقيادة والاتصال والدعم اللوجستي والتقني والتدريب، في صفقة قدرت قيمتها بنحو 524.2 مليون دولار، ولا يقتصر الرهان في هذه الصفقة على اقتناء منصات إطلاق جديدة، بل يرتبط بإدخال قدرة عملياتية متكاملة تقوم على الربط بين الاستطلاع وتحديد الأهداف وسرعة اتخاذ القرار والدقة في تنفيذ الضربات.

 

وفي قراءة لأهمية هذه المنظومة، أكد الخبير في الشؤون الاستراتيجية والأمنية الدكتور عبد الحق أصنايبي أن اقتناء أي منظومة تسليحية لا ينفصل عن العقيدة العسكرية والسياسية للدولة، ولا عن طبيعة مسرح العمليات والتهديدات التي تواجه القوات المسلحة، موضحا أن قيمة السلاح لا تقاس بخصائصه التقنية وحدها، وإنما بقدرته على الاندماج داخل تصور عملياتي متكامل ينسجم مع الاحتياجات الاستراتيجية للدولة.

 

وتتجاوز أهمية HIMARS بالنسبة إلى المغرب مفهوم تعزيز المدفعية التقليدية، لتفتح المجال أمام نمط مختلف من القوة النارية يقوم على السرعة والدقة والحركية، فالمنظومة الأمريكية المركبة على شاحنة ذات قدرة عالية على المناورة، تتيح تنفيذ ضربات موجهة ثم تغيير موقع الإطلاق بسرعة، بما يقلص من احتمالات رصدها واستهدافها ويمنح الوحدات العسكرية قدرة أكبر على الحفاظ على مرونتها العملياتية.

 

وتكتسب هذه الخصائص أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة المجال الجغرافي الواسع الذي تتحرك فيه القوات المسلحة الملكية، حيث تفرض المسافات الطويلة والحاجة إلى سرعة التدخل والقدرة على إعادة الانتشار امتلاك وسائل نارية قادرة على مواكبة تحركات الوحدات العسكرية والاستجابة السريعة للتطورات الميدانية.

 

وفي الحروب الحديثة، لم تعد القوة النارية تقاس فقط بحجم الذخائر أو كثافة الإطلاق، بل بقدرة القوات على تقليص الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف وتحديد موقعه واتخاذ القرار وتنفيذ الضربة، ومن هذا المنظور تبرز القيمة العملياتية لمنظومة HIMARS باعتبارها جزءا من منظومة أوسع تجمع بين وسائل الاستطلاع وجمع المعلومات والاتصالات والقيادة والتحكم والتوجيه الدقيق للنيران.

 

ويشدد عبد الحق أصنايبي على أن القوة الحقيقية لهذه المنظومة لا تكمن في الراجمة وحدها، وإنما في الذخائر التي تستطيع إطلاقها وفي البيئة المعلوماتية والعملياتية التي تعمل داخلها، فالصفقة الأمريكية المعلن عنها شملت صواريخ ATACMS التكتيكية وصواريخ GMLRS الموجهة، إلى جانب تجهيزات للقيادة والتحكم والاتصالات والدعم والتدريب، ما يمنح القوات المغربية مرونة أكبر في التعامل مع أهداف مختلفة وعلى مسافات متباينة بحسب طبيعة المهام والسيناريوهات العملياتية.

 

وبذلك فإن إدماج HIMARS يمثل انتقالا من مفهوم اقتناء قطعة عسكرية منفردة إلى بناء قدرة نارية شبكية، حيث تتكامل منصات الإطلاق مع مصادر المعلومات ووسائل الاستطلاع وأنظمة القيادة والسيطرة، وهو تحول يعكس توجها متزايدا لدى الجيوش الحديثة نحو تقليص زمن الاستجابة ورفع دقة الضربات وتعزيز القدرة على التحرك المستمر.

 

ومن أبرز المزايا التي تمنح المنظومة أهميتها قدرتها على تطبيق مبدأ “اضرب وتحرك”، إذ يمكن تنفيذ الضربة ثم مغادرة موقع الإطلاق في وقت سريع قبل أن تتحول الوحدة إلى هدف محتمل للرصد أو الاستهداف المضاد، وقد أصبح هذا المبدأ عنصرا أساسيا في بيئات القتال الحديثة التي تتزايد فيها قدرات الرصد والاستطلاع والاستهداف عن بعد.

 

كما أن قابلية المنظومة للحركة السريعة على الطرق وإمكانية نقلها بواسطة طائرات النقل العسكري تمنح القيادة العسكرية هامشا أوسع لإعادة توزيع القوة النارية وفق تطورات الوضع العملياتي، وتبرز أهمية هذه المرونة في البيئات التي تتطلب سرعة الانتقال بين مناطق متباعدة أو التعامل مع تهديدات متحركة، حيث يصبح عامل الزمن أحد العناصر الحاسمة في تحديد فعالية الرد العسكري.

 

وفي هذا السياق يلفت التحليل إلى أن شهرة HIMARS العالمية، التي ارتبطت على نطاق واسع باستخدامها في الحرب الروسية الأوكرانية، لا تعني بالضرورة إمكانية إسقاط التجربة نفسها على السياق المغربي، ففعالية أي منظومة عسكرية تبقى رهينة بطبيعة مسرح العمليات والعقيدة القتالية ونوعية الخصم والأهداف الاستراتيجية المحددة لكل جيش.

 

وبحسب القراءة التي يقدمها الخبير، فإن خصوصية العقيدة الدفاعية المغربية وطبيعة المجال الجغرافي ومتطلبات المراقبة والتحرك السريع تجعل من التكامل بين الطائرات بدون طيار ووسائل الاستطلاع وأنظمة القيادة والتحكم والمدفعية الصاروخية المتحركة عاملا أساسيا في تطوير القدرة على مواجهة التهديدات.

 

ويتيح هذا التكامل من الناحية العملياتية، تقليص الزمن الفاصل بين رصد التهديد وتحديد موقعه واتخاذ القرار المناسب وتنفيذ القوة النارية، بما يعزز سرعة الاستجابة ويرفع من فعالية استخدام الذخائر الموجهة، ومن هنا فإن الرهان لا يتعلق فقط بمدى الصواريخ أو عدد الراجمات، وإنما ببناء منظومة مترابطة تستطيع تحويل المعلومات الميدانية بسرعة إلى قدرة عملية على اتخاذ القرار والتنفيذ.

 

ويأتي اقتناء HIMARS في سياق أوسع من التعاون العسكري المتنامي بين الرباط وواشنطن، في ظل شراكة دفاعية تشمل مجالات التسليح والتدريب والمناورات والتعاون التقني، كما يعكس طبيعة التحول الذي تشهده القوات المسلحة الملكية خلال السنوات الأخيرة، من خلال تنويع مصادر القوة وتعزيز القدرات الجوية والبرية والبحرية وتطوير وسائل الاستطلاع والدفاع الجوي والقيادة والسيطرة.

 

وتكشف طبيعة الحزمة المرتبطة بالصفقة الأمريكية أن التوجه لا يقتصر على تسليم منصات الإطلاق، بل يشمل عربات وتجهيزات اتصال ودعما فنيا وهندسيا ولوجستيا وتدريبا للكوادر، وهي عناصر تشكل مجتمعة الأساس الضروري لتحويل السلاح من مجرد معدات تقنية إلى قدرة عسكرية قابلة للتشغيل والاستدامة.

 

يمثل إدماج منظومة HIMARS إضافة نوعية إلى قدرات المدفعية في القوات المسلحة الملكية، بالنظر إلى ما تجمعه من دقة في الاستهداف وسرعة في الحركة وقابلية للاندماج مع وسائل الاستطلاع الحديثة وأنظمة القيادة والسيطرة، كما يعكس هذا المسار تحولا في مفهوم القوة النارية، من المدفعية القائمة أساسا على كثافة الإطلاق إلى قدرة أكثر مرونة تعتمد على سرعة الوصول إلى المعلومة ودقة القرار والقدرة على تنفيذ الضربات ثم إعادة التموضع.

 

وبينما تظل تفاصيل جداول التسليم والتشغيل الفعلي مرتبطة بالمراحل التنفيذية والعقود وبرامج التمويل والدعم اللوجستي، فإن مسار اقتناء 18 راجمة HIMARS يؤشر إلى توجه مغربي نحو تعزيز العمق الناري لقواته المسلحة بقدرات أكثر دقة وحركية.

الاخبار العاجلة