من نقاش الوقائع إلى توزيع الاتهامات: دفاعا عن الشخصيات السياسية بالصحراء

محرر مقالات31 مايو 2026
من نقاش الوقائع إلى توزيع الاتهامات: دفاعا عن الشخصيات السياسية بالصحراء

العيون الآن.

أحمد متراق

 

النقاش العمومي أمر صحي وضروري لنهضة أي مجتمع وتطوره، ولا يمكن بأي حال من الأحوال مصادرة حق الآخرين في التعبير عن آرائهم أو اعتبارهم مجرمين أو خونة أو نعتهم بأقبح الصفات لمجرد أنهم ينظرون إلى الأمور من زاوية مختلفة.

غير أن هذا النقاش، لكي يكون عقلانياً ومفيداً، يجب أن يكون موضوعياً ومنطقياً، وأن يستند إلى تحليلات علمية دقيقة وقراءات سليمة، لا إلى الانطباعات السطحية والأحكام الجاهزة.

كما ينبغي التمييز بوضوح بين مناقشة الأفكار وبين الشخصنة أو ما يمكن تسميته بـ”شيطنة” الأشخاص.

 

هنا يتحول النقاش مع كامل الأسف من وسيلة لتطوير المجتمع وبناء الحضارة إلى أداة للهدم والتشويه.

 

وفي هذا السياق، تابع الجميع الضجة الإعلامية التي أثيرت حول ما سمي بـ”تسريبات جبروت”، رغم أن ما نشر لم يكن سوى وثائق رسمية وعادية ومتاحة عبر المنصات الرقمية للمؤسسات العمومية المعنية.

وتتعلق هذه الوثائق برخص ومستندات تخص رجل أعمال ومستثمرا من الصحراء يمارس العمل السياسي، استفاد من قطعة أرضية مخصصة للاستثمار بأثمان تفضيلية من أجل مشروع استثماري يدفع بعجلة التنمية للأمام، شأنه في ذلك شأن آلاف المستثمرين الآخرين، سواء كانوا مغاربة أو أجانب، ومن بينهم أيضاً من يمارسون العمل السياسي، والذين استفادوا بدورهم من أراض مخصصة للاستثمار في مختلف مناطق المغرب دون أن يخلق الأمر أي مشكل.

 

غير أن هذا النقاش استحوذ على مساحة واسعة من الرأي العام فقط لأن المعني بالأمر رجل سياسة ناجح من الصحراء, وهو ما دفع البعض إلى توجيه الاتهامات جزافا، والادعاء بأن السياسيين في الصحراء يتاجرون بالقضية الوطنية ويحققون منها مكاسب شخصية. وهذه الاتهامات لا تسيء إلى الأشخاص المستهدفين فحسب، بل تمس أيضا بعدالة القضية الوطنية وجوهرها.

 

والحال هنا أنها ليست المرة الأخرى ولن تكون الأخير التي يتم من خلالها استهداف شخصيات سياسية وطنية بهذه الطريقة, فالأمر أصبح عادة عند الكثيرين ممن يعلمون على توجيه أي نقاش عمومي حول موضوع معين إلى ضرب في وطنية وصدق هذه الشخصيات.

وخلال الأيام الماضية، شهدنا كيف جرى تحويل النقاش من مسألة الاستفادة من عقار استثماري وفق القوانين المعمول بها، والأسئلة المشروعة التي كان يمكن طرحها بحسن نية، مثل: هل تمت الاستفادة بشكل قانوني؟ هل احترم المستثمر جميع المساطر والإجراءات المطلوبة كما هو الحال بالنسبة لباقي المستثمرين؟ وهل جرى تنفيذ المشروع الاستثماري على أرض الواقع؟ إلى حملة شخصية مليئة بالمغالطات والأفكار الموجهة بهدف التأثير على الرأي العام بسوء نية.

والحال أن الوثائق نفسها تظهر أن المستثمر المعني احترم جميع الإجراءات القانونية واستفاد من حق يكفله له القانون والدستور. ومع ذلك، تم توجيه النقاش عمدا نحو الهجوم الشخصي بدلا من مناقشة الوقائع.

 

ومن أجل توضيح الصورة لبعض الصحفيين والمؤثرين الذين تناولوا الموضوع بطريقة هجومية ووجهوا اتهامات مجانية تتعلق بالمتاجرة بالقضية الوطنية والاستفادة من الامتيازات دون فهم حقيقي للبنية السياسية والاجتماعية الخاصة بالأقاليم الجنوبية، فإن من الضروري العودة إلى الخلفية التاريخية والاجتماعية التي تفسر واقع العمل السياسي في الصحراء.

 

فمجتمع الصحراء، في عمومه، مجتمع قبلي بامتياز, السياسة فيه لم ترتبط تاريخيا بالنظريات الأكاديمية بقدر ما ارتبطت بالأعراف والتقاليد الاجتماعية. وقد مارست المجتمعات القبلية عبر التاريخ أشكالا مختلفة من التنظيم والتدبير السياسي دون أن تعتبر ذلك علما قائمً بذاته.

فقد أنشأت مؤسسات عرفية للتسيير والحكم، وكان الناس يلتزمون بقراراتها ويحترمونها بصورة تلقائية, مما ساهم في تشكيل مجتمع يحترم الكبير ويقدر الصغير، ويحفظ مكانة الشيوخ والشباب، كما يمنح الرجل والمرأة مكانتهما الاجتماعية الخاصة.

 

ومع بداية نزاع الصحراء، وجد أبناء المنطقة أنفسهم منقسمين بين من يدافع عن مغربية الصحراء ووحدة التراب الوطني، ومن اختار تبني خيار الانفصال.

وقد يبدو هذا الخلاف للوهلة الأولى مجرد نزاع سياسي عادي حول الأرض والسيادة، كما يحدث في مناطق أخرى من العالم، إلا أن خصوصية الصحراء تكمن في أن الخلاف كان بين أفراد القبيلة والأسرة الواحدة.

 

فقد تجد داخل العائلة الواحدة أخا ينتمي إلى جبهة البوليساريو ويدافع عن أطروحتها، بينما يدافع شقيقه عن السيادة المغربية.

ويمكن تخيل حجم المعاناة النفسية والاجتماعية التي يعيشها الأشخاص في مثل هذه الظروف، حين يكون الخصم السياسي أخا أو ابن عم أو قريبا تجمعه بك روابط الدم والتاريخ والمصير المشترك.

 

لذلك، من غير المنصف أن يصدر بعض الصحفيين أو المؤثرين، الذين لم يعيشوا هذه التجربة ولم يدرسوا تعقيداتها، أحكاما جاهزة واتهامات مجانية ضد شخصيات صحراوية كرست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن الوحدة الترابية وخاضت، ولا تزال تخوض، معارك سياسية واجتماعية ونفسية في سبيل ذلك.

 

إن الشخصيات السياسية الوطنية في الصحراء لم تتاجر بالقضية الوطنية، كما يدعي البعض، بل كان بإمكانها، لو أرادت تحقيق مصالح شخصية، أن تنحاز إلى أطراف أخرى خلال مراحل تاريخية مختلفة، خصوصا في فترات كانت فيها القوى الخارجية بحاجة إلى دعم النخب والعائلات الصحراوية المؤثرة.

غير أن العديد من هذه الشخصيات اختارت الدفاع عن الوحدة الترابية رغم الإغراءات والضغوط المختلفة.

 

لقد سجل هؤلاء السياسيون مواقف تاريخية واضحة، وخاضوا نضالات حقيقية دفاعاً عن قناعاتهم الوحدوية، وما زالوا يؤدون أدوارا مهمة على المستويات السياسية والدبلوماسية والاجتماعية، سواء في مواجهة الطروحات الانفصالية أو في دعم الاستقرار والسلم الاجتماعي والمساهمة في تنزيل المشاريع التنموية والرؤية الملكية بالأقاليم الجنوبية.

 

وبفضل هذه الجهود وغيرها، أصبحت الصحراء المغربية، ولا سيما مدينة العيون، نموذجاً في التدبير والتنمية والاستقرار، وهو ما يعكس حجم العمل الذي بذل على مدى سنوات طويلة.

الاخبار العاجلة