من الإرهاب إلى الأمن السيبراني.. كيف تحولت ألمانيا إلى شريك أمني متقدم للمغرب؟

محرر مقالات30 سبتمبر 2026
من الإرهاب إلى الأمن السيبراني.. كيف تحولت ألمانيا إلى شريك أمني متقدم للمغرب؟

العيون الآن.

 

لم تعد الشراكة الأمنية بين المغرب وألمانيا محصورة في التنسيق حول ملفات ظرفية أو تبادل المعلومات في قضايا محددة، بل اتجهت خلال السنوات الأخيرة نحو بناء تعاون مؤسساتي أوسع، يمتد من مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة إلى الأمن السيبراني والهجرة غير النظامية وتأمين التظاهرات الرياضية الكبرى.

هذا التحول عاد إلى الواجهة مع إشادة رئيس الشرطة الاتحادية الألمانية، ديتر رومان، بمستوى التعاون مع الأجهزة الأمنية المغربية، واعتباره قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني شريكا استراتيجيا في مجالات الأمن والاستقرار.

وتكشف طبيعة الملفات التي أصبحت تجمع الرباط وبرلين أن التعاون تجاوز العلاقات التقليدية بين جهازي شرطة، ليصبح جزءا من شبكة أمنية أوسع تقوم على تبادل المعلومات والخبرات وبناء القدرات والاستجابة المشتركة للتهديدات العابرة للحدود.

برز هذا المستوى من التنسيق خلال زيارة العمل التي أجراها المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، إلى ألمانيا في يونيو الماضي، حيث عقد مباحثات مع مسؤولين في الشرطة الاتحادية والمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية ومسؤولين وخبراء في عدد من المجالات الأمنية.

شملت المحادثات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، إلى جانب تبادل الخبرات في تأمين التظاهرات الرياضية الكبرى.

تبرز أهمية هذه اللقاءات في تعدد المؤسسات المنخرطة فيها، إذ لم يعد التعاون محصورا في قناة أمنية واحدة، وإنما أصبح يشمل مستويات شرطية واستخباراتية وتقنية متخصصة.

وسبق لهذا المسار أن شمل اتصالات مع مسؤولين في أجهزة أمنية ألمانية أخرى، من بينها المكتب الاتحادي لحماية الدستور، بما يعكس اتساع قنوات التواصل بين المنظومتين الأمنيتين.

مكافحة الإرهاب التي شكلت لسنوات أحد أبرز محاور التعاون الأمني الدولي للمغرب، لم تعد الملف الوحيد على طاولة الرباط وبرلين.

فالجريمة المنظمة أصبحت أكثر إرتباطا بالفضاء الرقمي بينما تتقاطع شبكات الاتجار بالمخدرات والبشر والهجرة غير النظامية وتزوير الوثائق وغسل الأموال مع مسارات عابرة لعدة دول.

ولهذا بات تبادل المعلومات في الوقت المناسب عاملا مركزيا في العمل المشترك، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأشخاص أو شبكات تتحرك بين أكثر من دولة.

كما دخلت الجرائم السيبرانية ضمن الملفات ذات الأولوية، في ظل توسع استخدام التكنولوجيا في أنشطة الشبكات الإجرامية وتزايد الحاجة إلى تطوير قدرات التحقيق الرقمي وتحليل البيانات وتتبع النشاط الإجرامي الإلكتروني.

وبذلك يتحول التعاون تدريجيا من التعامل مع الجريمة بعد وقوعها إلى محاولة رصد المخاطر مبكرا وتبادل المعطيات التي تسمح بالتدخل الاستباقي.

ولا يتوقف التعاون عند الإطار الثنائي. فإحدى أبرز الصيغ التي تعكس تطوره تتمثل في آلية التنسيق الثلاثية التي تجمع الأجهزة الأمنية في المغرب وألمانيا وإسبانيا، وتتيح للمسؤولين الأمنيين في البلدان الثلاثة مناقشة ملفات مشتركة وتبادل تقييماتهم بشأن التهديدات العابرة للحدود.

وتشمل أجندة هذه الآلية قضايا الإرهاب والجريمة السيبرانية والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة، فضلا عن أمن التظاهرات الرياضية.

تكتسب الصيغة الثلاثية أهميتها من الموقع الذي تحتله البلدان الثلاثة داخل مسارات أمنية مترابطة بين أوروبا وشمال إفريقيا، إذ يصعب التعامل مع شبكات إجرامية عابرة للحدود من خلال المقاربة الوطنية المنفردة.

يمتد البعد الجغرافي لهذا التعاون إلى منطقة الساحل، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للأمن الإقليمي.

وتتقاطع في المنطقة أنشطة الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والاتجار بالبشر والمخدرات، في ظل هشاشة أمنية وسياسية بعدد من دولها.

ومن هنا يأتي اهتمام الشركاء الأوروبيين بتطوير التعاون مع المغرب في الملفات المرتبطة بالساحل، ليس فقط من خلال تبادل المعلومات، ولكن كذلك عبر برامج التكوين وبناء القدرات الأمنية.

ويشكل التكوين أحد الأبعاد الأقل ظهورا إعلاميا والأكثر أهمية على المدى الطويل، لأنه ينقل التعاون من مواجهة تهديد محدد إلى الاستثمار في العنصر البشري والمؤسسات الأمنية.

يشمل ذلك مجالات مثل التحقيق الرقمي، وتحليل المعلومات، وتدبير الأزمات، وحماية المنشآت، ومواجهة الشبكات الإجرامية المعقدة.

إلى جانب الملفات التقليدية، بدأ الأمن الرياضي يحتل مساحة متزايدة في أجندة التعاون.

وتملك ألمانيا تجربة طويلة في تأمين البطولات والتظاهرات الجماهيرية الكبرى، بينما يستعد المغرب خلال السنوات المقبلة لاحتضان سلسلة من الاستحقاقات الرياضية، وصولاً إلى كأس العالم 2030 الذي سينظمه بصورة مشتركة مع إسبانيا والبرتغال.

ولا يتعلق تأمين هذه الأحداث فقط بضبط الجماهير والملاعب، بل يشمل حماية البنيات التحتية، وإدارة تدفقات المسافرين، والأمن السيبراني، ومراقبة المخاطر الإرهابية، والتنسيق بين أجهزة الشرطة والاستخبارات والحماية المدنية والسلطات المحلية.

وهنا تتحول الخبرة الأمنية الدولية إلى عنصر أساسي ضمن الاستعداد اللوجستي والتنظيمي للتظاهرات الرياضية.

رغم تعدد مستويات التعاون، تبقى المعلومة الأمنية أحد أهم عناصره.

فالشبكات الإجرامية الحديثة لا تتحرك بالضرورة داخل حدود دولة واحدة، وقد تبدأ عملية التحقيق في بلد قبل أن تقود المعطيات إلى مشتبه فيه أو شبكة موجودة في بلد آخر.

ولهذا أصبحت سرعة تبادل المعلومات والقدرة على تحليلها وتحويلها إلى إجراءات عملياتية جزءا أساسيا من التعاون الأمني الدولي.

وتفسر هذه الطبيعة أيضا توسع علاقات الأجهزة المغربية مع شركاء أوروبيين آخرين. فقد برز إلى جانب الإشادة الألمانية، تقدير سويدي للتعاون مع المصالح الأمنية المغربية في قضايا مرتبطة بتعقب أشخاص مطلوبين على خلفية نشاط شبكات إجرامية سويدية، وهو ما يقدم مثالا آخر على تحول مكافحة الجريمة المنظمة إلى عمل يتجاوز الحدود الوطنية.

تكشف مجمل هذه التحركات عن تغير أعمق في طبيعة العلاقات الأمنية المغربية الأوروبية.

فبدلا من الاقتصار على التعاون الثنائي بين الرباط وعاصمة أوروبية معينة، تتجه المقاربة نحو شبكات تضم عدة أجهزة ودول، وتجمع بين تبادل المعلومات والتدريب والتحقيقات والتنسيق العملياتي.

وتقدم العلاقة المغربية الألمانية نموذجا لهذا التحول؛ من مكافحة الإرهاب باعتبارها الملف المركزي، إلى أجندة تشمل الجريمة المنظمة والأمن السيبراني والهجرة والأمن الرياضي وبناء القدرات، ثم إلى آليات متعددة الأطراف تضم شركاء آخرين مثل إسبانيا.

وبقدر ما يعكس هذا المسار تطور العلاقات بين الرباط وبرلين، فإنه يعكس قبل ذلك تغيرا في طبيعة التهديد نفسه.

فالإرهاب والجريمة المنظمة والهجمات السيبرانية وشبكات التهريب لم تعد ملفات يمكن فصل بعضها عن بعض أو احتواؤها داخل الحدود الوطنية.

ولهذا لم يعد السؤال الأمني بين المغرب وألمانيا متعلقا فقط بما يمكن أن يقدمه كل طرف للآخر، بل بكيفية بناء شبكة تعاون قادرة على التعامل مع مخاطر تتحرك، مثل المعلومات والأموال والأشخاص، عبر الحدود.

الاخبار العاجلة