ما بعد رسالة ترامب.. هل ستقول قيادة البوليساريو “باع النعجة” وستبدأ مرحلة التكيف مع حل الحكم الذاتي؟

مدير الموقع2 أغسطس 2026
ما بعد رسالة ترامب.. هل ستقول قيادة البوليساريو “باع النعجة” وستبدأ مرحلة التكيف مع حل الحكم الذاتي؟

العيون الآن 

الحافظ ملعين _ العيون 

لم يعد نزاع الصحراء يتحرك وفق الإيقاع السياسي الذي طبع العقود الماضية، بل دخل مرحلة جديدة فرضتها تحولات دولية متسارعة أعادت رسم موازين القوى داخل الملف. وجاءت رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى جلالة الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، لتؤكد هذا المنعطف، بعدما جددت واشنطن اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، ووصفت مبادرة الحكم الذاتي بأنها “الأساس الوحيد” للتوصل إلى حل سياسي دائم. وبذلك، انتقل النقاش من البحث عن بدائل متعددة إلى التركيز على مقترح يحظى بدعم أكبر قوة دولية، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على الخطاب الصادر عن عدد من قيادات جبهة البوليساريو.

وفي هذا السياق، برزت تصريحات منسوبة إلى محمد يسلم بيسط حملت لغة تختلف عن الخطاب التقليدي للجبهة، بعدما تحدث عن الاستعداد لمناقشة مقترح الحكم الذاتي في إطار العملية التفاوضية. وبينما كانت قيادة البوليساريو تنفي في السابق وجود أي نقاش حول هذا الخيار، فإن مجرد الإقرار بإمكانية بحثه على طاولة المفاوضات اعتبره متابعون مؤشرا على تغير في أسلوب التعاطي مع المستجدات السياسية، ومحاولة للتكيف مع واقع دولي لم يعد كما كان قبل سنوات.

ومن جهة أخرى، أثارت المواقف التي عبر عنها محمد سالم ولد السالك اهتماما واسعا، خاصة بعدما أقر بوجود ضغوط أمريكية متزايدة تدفع نحو حل سياسي يرتكز على مبادرة الحكم الذاتي. ويقرأ مراقبون هذا التحول باعتباره اعترافا ضمنيا بأن البيئة الدولية تغيرت بصورة عميقة، وأن استمرار التمسك بالخطاب السابق أصبح أكثر صعوبة في ظل تنامي الاعترافات الدولية بسيادة المغرب واتساع دائرة الدول المؤيدة لمقترحه.

غير أن هذا التحول لم يمر دون إثارة نقاشات داخلية، إذ خرج البشير مصطفى السيد بمواقف انتقد فيها الطريقة التي أدار بها محمد يسلم بيسط ومحمد سالم ولد السالك ملف المفاوضات. وشدد على أن مناقشة الحكم الذاتي لا تعني القبول به كحل نهائي، معتبرا أن أي توجه من هذا النوع ينبغي أن يخضع لقرار مؤسسات الجبهة، وليس لاجتهادات أفراد، وهو ما كشف عن وجود تباين واضح في تقييم المرحلة بين مختلف القيادات.

وعلاوة على ذلك، تتحدث قراءات سياسية عن بروز تيارين داخل الجبهة؛ أحدهما يرى أن التحولات الدولية تفرض قدرا من الواقعية السياسية والانخراط في مفاوضات أكثر مرونة، بينما يتمسك التيار الآخر بالمواقف التقليدية، ويعتبر أي انفتاح على مبادرة الحكم الذاتي تنازلا عن الثوابت التي تأسست عليها الجبهة. ويبدو أن هذا التباين بات ينعكس بصورة متزايدة على الخطاب الإعلامي والسياسي لعدد من مسؤوليها، وفي مقدمتهم إبراهيم غالي بصفته الأمين العام للجبهة.

وفي المقابل، يصعب فصل هذه التطورات عن التحولات الدولية المتلاحقة التي شهدها الملف خلال السنوات الأخيرة. فقد توسعت دائرة الدول الداعمة للمبادرة المغربية، وسحبت دول إفريقية عدة اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، كما عززت قوى دولية كبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا..الخ، دعمهما لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطارا واقعيا وذا مصداقية لتسوية النزاع المفتعل، وهو ما ضيق هامش المناورة أمام قيادة البوليساريو.

وبناء على ذلك، يرى عدد من المحللين أن الجبهة أصبحت مطالبة بإعادة قراءة المشهد السياسي وفق المعطيات الجديدة، خاصة بعد الرسالة الأمريكية الأخيرة التي لم تكتف بتجديد الاعتراف بسيادة المغرب، بل ربطت إنهاء النزاع بمبادرة الحكم الذاتي، وأكدت مواصلة واشنطن العمل من أجل الدفع بهذا المسار، إلى جانب دعم مشاريع التنمية والاستثمار في الأقاليم الجنوبية للمملكة.

وتبعا لهذه المعطيات، يبدو أن النقاش داخل قيادة البوليساريو لم يعد يقتصر على مضمون المفاوضات، بل أصبح يمتد إلى كيفية تدبير المرحلة المقبلة، وحدود المرونة الممكنة في ظل تزايد الضغوط الدولية. كما أن تراجع الحديث عن خيار المواجهة المسلحة مقابل التركيز على الحل السياسي يعكس، في نظر متابعين، إدراكا متناميا بأن البيئة الإقليمية والدولية لم تعد تسمح باستمرار المقاربات السابقة بنفس الزخم.

وخلاصة القول، فإن رسالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشكل محطة جديدة في مسار دولي يتجه نحو تعزيز مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر حضورا في النقاش الدولي حول النزاع. وفي المقابل، تكشف المواقف والتصريحات المتباينة الصادرة عن محمد يسلم بيسط، ومحمد سالم ولد السالك، والبشير مصطفى السيد، إلى جانب الدور الذي يضطلع به إبراهيم غالي، عن مرحلة دقيقة تعيشها قيادة البوليساريو، عنوانها البحث عن كيفية التكيف مع متغيرات سياسية متسارعة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإيجاد تسوية سياسية تنهي واحدا من أطول النزاعات الإقليمية في المنطقة وتحرير ساكنة مخيمات تعاني ازيد من نصف قرن من المعاناة الإنسانية.

الاخبار العاجلة