العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
ما حدث بعد خروج المنتخب المغربي من كأس العالم لم يكن مجرد رد فعل رياضي عابر، بل كان مناسبة أظهرت كيف يمكن للخطاب السياسي والإعلامي أن يعيد تشكيل مشاعر الناس تجاه الجيران والخصوم. فالأصل في الرياضة أن تخلق التنافس وتمنح الجماهير فرصة الفرح بانتصار فرقها، لكن أن يتحول إخفاق منتخب دولة مجاورة إلى سبب للاحتفال في الشوارع، فذلك يتجاوز حدود الرياضة ويدخل في دائرة أوسع تتعلق بصناعة الوعي الجماعي وتوجيه الانفعالات العامة.
فالشماتة ليست سلوكا يولد من تلقاء النفس بل غالبا ما تكون نتيجة تراكم طويل من الرسائل السياسية والإعلامية التي تنجح في ترسيخ صورة “العدو الدائم”، حتى يصبح حضوره جزءا من الحياة اليومية، ويغدو سقوطه مصدرا للرضا النفسي أكثر من أي إنجاز ذاتي.
وقد تناول علماء النفس الاجتماعي هذه الظاهرة ضمن مفهوم “الشماتة الجماعية”، حيث يجد بعض الأفراد شعورا بالارتياح عندما يتعرض الطرف الذي صوّر لهم باستمرار باعتباره الخصم أو التهديد للهزيمة. ولا تنشأ هذه الحالة من فراغ، بل تحتاج إلى سنوات من إعادة تشكيل الإدراك الجمعي حتى تصبح ردود الفعل تبدو طبيعية رغم أنها صُنعت تدريجيا.
ولهذا فإن مشاهد الاحتفال التي شهدتها بعض المدن الجزائرية عقب خروج المنتخب المغربي لا يمكن تعميمها على الشعب الجزائري بأكمله، فالشعوب لا تختزل في فئة أو في مشهد عابر. لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات مشروعة حول حجم تأثير الخطاب الرسمي والإعلامي في صناعة الانفعالات الجماعية، عندما يصبح سقوط الجار أكثر حضورا من النجاحات الوطنية.
وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون إلى أن تكرار الرسائل ذاتها يجعل الجماهير تميل مع مرور الوقت إلى التعامل معها باعتبارها حقائق لا تقبل النقاش. بينما توضح نظرية الهوية الاجتماعية، التي وضعها هنري تاجفيل، أن بعض الجماعات تبني إحساسها بالتميز من خلال المقارنة الدائمة مع جماعة أخرى تقدم باعتبارها الخصم الذي ينبغي منافسته أو رفضه.
وعند إسقاط هذه المقاربات على الحالة الجزائرية يصعب تجاهل الحضور المستمر للمغرب في جزء من الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي وشبه الرسمي. فمن يتابع نشرات الأخبار أو البرامج السياسية يلاحظ أن المغرب حاضر بشكل متكرر في النقاشات اليومية، وهو حضور يتجاوز في كثير من الأحيان حضور قضايا إقليمية ودولية أكثر تأثيرا على حياة المواطن الجزائري.
ومع مرور السنوات لا يبقى هذا الخطاب مجرد مادة إعلامية، بل يتحول إلى إطار ذهني يعيد ترتيب الأولويات، ويؤثر في طريقة فهم الأحداث وتقييمها. وهنا تكمن خطورة الدعاية؛ فهي لا تفرض رأيا بالقوة وإنما تجعل الأفراد يعيدون إنتاجه تلقائيا حتى يصبح جزءا من قناعاتهم.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن هذا التحول أصاب الذاكرة التاريخية نفسها. فالاستعمار الفرنسي الذي دام 132 سنة وخلف مئات الآلاف من الضحايا، وصادر الأراضي وأجرى التجارب النووية في الصحراء الجزائرية، لم يعد يحتل لدى بعض الفئات المكانة نفسها التي يحتلها المغرب في سلم الخصومة اليومية.
ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى استحضار عداوات الماضي أو بناء العلاقات الدولية على الأحقاد، فالدول تحكمها المصالح قبل العواطف. غير أن المفارقة تبقى قائمة عندما يصبح الشعب الذي جمعته بالجزائريين روابط الدين واللغة والجغرافيا، والذي قدم دعما عسكريا وسياسيا ولوجستيا للثورة الجزائرية، موضوعا للشماتة كلما تعرض لإخفاق رياضي أو سياسي.
لقد نجحت الدعاية في بعض الحالات في إعادة تعريف الخصم الحقيقي، ليس عبر الوقائع التاريخية وإنما عبر التكرار المستمر للخطاب. وهذا ما عبر عنه الروائي البريطاني جورج أورويل حين قال إن من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل، ومن يسيطر على الحاضر يسيطر على الماضي. فإعادة تشكيل الذاكرة ليست أقل خطورة من إعادة تشكيل الواقع.
وليس هذا النموذج جديدا في التاريخ فالعديد من الأنظمة السلطوية اعتمدت في مراحل مختلفة، على صناعة “عدو خارجي” لإعادة توجيه اهتمام الرأي العام بعيدا عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وكلما تعقدت الأوضاع الداخلية، أصبح وجود خصم دائم وسيلة فعالة لتعبئة الجماهير وصرف الأنظار عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالتنمية والحرية ومستوى المعيشة.
إن أخطر ما تصنعه الدعاية ليس الكراهية في حد ذاتها، بل قدرتها على تغيير سلم الأولويات. فعندما يتحول انتصار الجار إلى خسارة شخصية، وتصبح هزيمته إنجازا وطنيا، يكون الوعي قد أُعيد تشكيله بطريقة تجعل المجتمع منشغلا بمعارك رمزية لا تضيف إلى رصيده أي تقدم حقيقي.
وفي المقابل يعلمنا التاريخ أن الأمم التي تنهض لا تقيس نجاحها بما يخسره الآخرون، بل بما تحققه هي من إنجازات علمية واقتصادية وثقافية. أما المجتمعات التي تستهلك طاقتها في متابعة إخفاقات غيرها، فإنها تؤجل باستمرار معاركها الحقيقية مع التخلف والبطالة وضعف التنمية.











