العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
لم يكن نهائي كأس أمم إفريقيا الذي احتضنه المغرب مجرد مباراة حاسمة تتوج في نهايتها بطولة قارية، بل تحول إلى لحظة اختبار أخلاقي وتاريخي لدولة تدرك ثقلها الإقليمي والدولي، وتعي أن صورتها في أعين العالم لا تقاس بلقب عابر، مهما بلغت قيمته الرمزية.
ففي أمسية كروية مشحونة بالتوتر والترقب، خسر المنتخب المغربي المباراة النهائية أمام نظيره السنغالي غير أن سياق الخسارة، وما رافقها من قرارات ومواقف، منح الحدث أبعادا تتجاوز النتيجة التقنية، لتضعه في خانة الرسائل السياسية والرياضية ذات الدلالات العميقة.
شهدت المباراة في إحدى لحظاتها المفصلية، احتساب ضربة جزاء لفائدة المنتخب السنغالي، في توقيت حساس كان كفيلا بتغيير موازين اللقاء، القرار الذي مر دون احتجاجات حادة أو تصعيد، لم يكن تفصيلا عابرا في مسار المباراة، بل جاء في سياق أوسع مرتبط بإدارة البطولة وحماية مصداقيتها.
في بطولة قارية كثيرا ما أثقلت تاريخيا، بسرديات التشكيك في النزاهة والتحكيم، بدا أن المغرب اختار مقاربة مختلفة: تحصين صورة المسابقة، وإغلاق أبواب التأويلات الجاهزة حول “الكولسة” أو التأثير غير المشروع على الحكام، حتى وإن كان الثمن خسارة الكأس.
هكذا تحولت المباراة من صراع على لقب إلى رسالة ضمنية مفادها أن استضافة البطولة لا تعني التحكم في نتائجها، وأن قوة الدولة تقاس أحيانا بقدرتها على ضبط لحظة الخسارة قبل إدارة لحظة التتويج.
اللحظة الأكثر دلالة لم تأت من صافرة الحكم، بل من مشهد غير مألوف على المستطيل الأخضر، حين انسحب لاعبو المنتخب السنغالي من أرضية الملعب في خضم التوتر، قبل أن يبادر اللاعبون المغاربة أنفسهم إلى إعادتهم واستئناف المباراة.
ذلك المشهد الذي وثقته عدسات العالم، تجاوز كونه تصرفا رياضيا، ليحمل بعدا رمزيا واضحا: إدارة الأزمة بعقل دولة، لا برد فعل فريق، ففي ظرف كان من الممكن أن ينزلق إلى الفوضى أو التصعيد، جرى احتواؤه بسلوك هادئ أعاد المباراة إلى مسارها الطبيعي، وحمى صورة النهائي القاري من مشاهد عبثية كانت ستطغى على كل ما عداها.
لا يمكن قراءة ما جرى بمعزل عن الموقع الذي بات يحتله المغرب في الخريطة الكروية الدولية خلال السنوات الأخيرة، فالدولة التي بلغت نصف نهائي كأس العالم 2022، وتوجت بعدة ألقاب قارية وإقليمية، وراكمت حضورا ثابتا في أعلى التصنيفات الإفريقية، لم تعد في موقع من يبحث عن شرعية رياضية ظرفية.
هذا الرصيد الذي يشمل ألقاب بطولة إفريقيا للمحليين، والتتويج العربي، والإنجازات الأولمبية، إضافة إلى استثمارات واسعة في البنية التحتية والتكوين، جعل من خيار “الخسارة النظيفة” أقل كلفة من “فوز مشكوك فيه”، فالتاريخ الرياضي في مثل هذه الحالات، لا يدون فقط أسماء المتوجين، بل يسجل أيضا كيف تدار اللحظات الحرجة.
منذ انطلاق كأس أمم إفريقيا بالمغرب، بدت البطولة محملة برسائل تتجاوز الملاعب، تنظيم محكم، بنية لوجستية متقدمة، إدارة جماهيرية منضبطة، واستجابة سريعة لمختلف الطوارئ، كلها عناصر وضعت الحدث في سياق أوسع يتعلق بصورة المغرب كمنصة موثوقة لتنظيم التظاهرات الكبرى.
في النهائي تحديدا برز هذا المعطى بشكل أوضح: حماية نزاهة المباراة، تفادي الانزلاق إلى صراعات جانبية، وتقديم مصلحة البطولة والقارة على مصلحة الفريق المضيف، وهي اختيارات لا تنفصل عن رؤية تعتبر الرياضة أداة دبلوماسية ناعمة، لا مجال فيها للمغامرة بصورة تراكمت عبر سنوات.
محليا أعاد النهائي طرح نقاش واسع حول مفهوم “الربح” في الرياضة: هل يختزل في الكأس، أم يمتد إلى بناء سمعة مستدامة؟ وطنيا، عزز الحدث سردية مفادها أن المغرب بات يتعامل مع الرياضة كسياسة عمومية، تخضع لحسابات المدى المتوسط والبعيد، لا لمنطق الانتصار الآني.
كما أن الطريقة التي أدير بها النهائي قد تنعكس مستقبلا على موقع المغرب داخل المؤسسات الكروية القارية، وعلى فرصه في استضافة تظاهرات أكبر، في ظل مناخ دولي بات يولي أهمية متزايدة لقيم الشفافية والحكامة.
انتهى نهائي كأس أمم إفريقيا بخسارة المنتخب المغربي على مستوى النتيجة، غير أن مجرياته كشفت عن فوز من نوع آخر: فوز بالصورة، وبالرسالة، وبالقدرة على إدارة لحظة معقدة دون التفريط في القيم.
في زمن تتآكل فيه الثقة في نزاهة المنافسات الرياضية، قدم المغرب نموذجا لدولة تختبر وزنها الحقيقي، وتدرك أن التاريخ لا يكتب فقط بعدد الكؤوس المرفوعة، بل بعدد المواقف التي تتخذ عندما تكون الأضواء مسلطة، والاختيارات مكلفة.












