العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
كشفت أحدث تقارير المندوبية السامية للتخطيط عن مفارقة لافتة في سوق الشغل بجهة العيون الساقية الحمراء، بعدما سجلت أعلى معدل وطني في المعدل المركب للبطالة بالمفهوم الضيق والقوة العاملة المحتملة خلال الفصل الثاني من سنة 2026، بنسبة بلغت 26,2 في المائة، مقابل 14,7 في المائة على المستوى الوطني.
المفارقة لا تتوقف عند حجم الرقم بل تزداد وضوحا عندما يوضع في سياق التحولات الاقتصادية والاستثمارية التي شهدتها الأقاليم الجنوبية خلال السنوات الأخيرة، والتي جعلت من المنطقة ورشا مفتوحا للبنيات التحتية والاستثمار والطاقة واللوجستيك، مقابل استمرار صعوبة تحويل جزء من هذه الدينامية إلى فرص شغل واسعة ومستدامة.
تبرز الأرقام الرسمية أن جهة العيون الساقية الحمراء لا تعاني فقط من ارتفاع المؤشر المركب للبطالة، وإنما تسجل كذلك معدل مشاركة في القوى العاملة بلغ 39,7 في المائة أي دون المتوسط الوطني المحدد في 42,2 في المائة.
وفي المقابل تكشف المقارنة مع جهة الداخلة وادي الذهب عن تفاوت صارخ داخل المجال الجنوبي نفسه؛ إذ سجلت الأخيرة أعلى معدل للمشاركة في القوى العاملة وطنيا بنسبة 59,2 في المائة، بينما سجلت أدنى معدل للبطالة على المستوى الوطني في حدود 1,7 في المائة.
وهنا تبرز المسألة الأساسية: لماذا تنجح بعض المجالات في تحويل الاستثمار إلى نشاط اقتصادي وفرص شغل بينما تواجه مجالات أخرى صعوبة في تحويل المشاريع والتنمية العمرانية والبنيات التحتية إلى دينامية تشغيلية مماثلة؟
الأرقام تفتح من جديد النقاش حول طبيعة النموذج الاقتصادي المعتمد في الأقاليم الجنوبية ومدى قدرة الاستثمار العمومي والمشاريع الكبرى على خلق اقتصاد محلي منتج ومستدام.
فخلال السنوات الماضية، شهدت العيون أوراشا مهمة في البنية التحتية والتجهيزات والخدمات، كما تعزز موقع جهة العيون الساقية الحمراء ضمن الاستراتيجية الوطنية لتطوير الأقاليم الجنوبية، غير أن ارتفاع مؤشرات البطالة يطرح سؤالا أكثر إلحاحا حول نوعية النمو الاقتصادي وليس فقط حجمه.
فالمطلوب لم يعد مجرد استقطاب المشاريع وإنما ضمان انتقال آثارها إلى سوق الشغل المحلي وخلق سلاسل إنتاج مرتبطة بالمقاولات المحلية، وتوفير وظائف تتلاءم مع مؤهلات الشباب وحاجيات القطاعات الاقتصادية الجديدة.
ويكتسب هذا النقاش أهمية أكبر في ظل التحول الذي يعرفه الاقتصاد الوطني نحو قطاعات جديدة، خصوصا الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعة واللوجستيك والاقتصاد الأزرق.
تقدم المقارنة بين العيون والداخلة نموذجا واضحا للتفاوتات المجالية التي مازالت تطبع سوق الشغل. فالداخلة وادي الذهب استطاعت خلال السنوات الأخيرة استقطاب استثمارات في الصيد البحري والطاقات المتجددة والبنيات التحتية والموانئ والسياحة، ما عزز موقعها الاقتصادي ورفع قدرتها على خلق أنشطة جديدة.
أما جهة العيون الساقية الحمراء فرغم توفرها على مؤهلات طبيعية وموقع استراتيجي وبنيات تحتية مهمة مازالت تواجه تحديا يتمثل في تنويع قاعدة اقتصادها والانتقال من اقتصاد يعتمد بشكل كبير على الأنشطة التقليدية والقطاع العمومي إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعا.
وتكتسي المقارنة بين جهتي العيون الساقية الحمراء والداخلة وادي الذهب أهمية خاصة في قراءة وضعية سوق الشغل بالأقاليم الجنوبية، بالنظر إلى التباين الكبير الذي تعكسه المؤشرات الرسمية بين الجهتين.
ففي الوقت الذي تصدرت فيه العيون الساقية الحمراء الترتيب الوطني في المعدل المركب للبطالة بالمفهوم الضيق والقوة العاملة المحتملة بنسبة بلغت 26,2 في المائة، سجلت جهة الداخلة وادي الذهب أدنى معدل للبطالة وطنيا في حدود 1,7 في المائة، بالتزامن مع تسجيلها أعلى معدل للمشاركة في القوى العاملة بنسبة 59,2 في المائة.
يعكس هذا الفارق وجود اختلاف واضح في طبيعة البنية الاقتصادية لكل جهة، وفي قدرتها على استقطاب اليد العاملة وتحويل الدينامية الاستثمارية إلى فرص مهنية.
وخلال السنوات الأخيرة، عرفت الداخلة وادي الذهب توسعا في عدد من الأنشطة الاقتصادية، خصوصا الصيد البحري والطاقات المتجددة والبنيات التحتية والمشاريع المينائية والسياحية، وهي قطاعات ساهمت في توسيع قاعدة النشاط الاقتصادي ورفع الطلب على اليد العاملة.
أما جهة العيون الساقية الحمراء، فعلى الرغم من موقعها الاقتصادي والاستراتيجي، وما راكمته من استثمارات ومشاريع مهيكلة، فإن سوق الشغل بها مازال يواجه صعوبات مرتبطة بضعف تنوع الأنشطة المنتجة مقارنة بحجم اليد العاملة، واستمرار الاعتماد على قطاعات لا توفر بالضرورة العدد الكافي من الوظائف المستدامة.
ولا ينبغي قراءة معدل البطالة في العيون بمعزل عن معدل المشاركة في القوى العاملة، الذي استقر عند 39,7 في المائة، أي دون المتوسط الوطني البالغ 42,2 في المائة.
فانخفاض المشاركة في سوق الشغل يمكن أن يعكس وجود فئات لا تدخل أصلا ضمن الحساب التقليدي للبطالة، من بينها أشخاص فقدوا الأمل في العثور على عمل، أو شباب ابتعدوا عن البحث النشط عن وظيفة بسبب محدودية الفرص المتاحة، فضلا عن فئات مؤهلة قد تضطر إلى مغادرة الجهة بحثا عن فرص مهنية في مدن أخرى.
وبذلك فإن قراءة وضعية التشغيل لا تتوقف عند عدد الأشخاص الذين يبحثون عن عمل ولا يجدونه، وإنما تشمل أيضا حجم الفئات القادرة أو الراغبة في الاندماج في النشاط الاقتصادي لكنها تظل خارج سوق الشغل.
هذا المعطى يكتسي أهمية خاصة في جهة تتوفر على قاعدة شبابية ومؤهلات بشرية مهمة، إذ يطرح سؤالا حول مدى قدرة الاقتصاد المحلي على الاحتفاظ بالكفاءات وتوفير مسارات مهنية تتلاءم مع تكوينها وتطلعاتها.
وتعيد هذه المؤشرات طرح سؤال أساسي حول العلاقة بين الاستثمار والتشغيل في الأقاليم الجنوبية. فاستقطاب الاستثمارات وإنجاز المشاريع الكبرى يظل ضروريا لتطوير الاقتصاد المحلي، لكنه لا يؤدي بصورة آلية إلى انخفاض البطالة، ما لم يرتبط بقطاعات إنتاجية قادرة على خلق فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، وإقامة سلاسل اقتصادية تستفيد منها المقاولات المحلية واليد العاملة بالجهة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال تدريجيا من اقتصاد يعتمد بشكل كبير على المشاريع العمومية والاستثمارات المهيكلة إلى اقتصاد أكثر تنوعا، تشكل فيه الصناعة والخدمات الحديثة والاقتصاد الأزرق والطاقات المتجددة واللوجستيك والاقتصاد الرقمي محركات فعلية للتشغيل.
كما أن المشاريع الكبرى يمكن أن تكون أكثر تأثيرا على سوق الشغل عندما ترتبط بمنظومة محلية للمناولة والخدمات والتكوين، بما يسمح بخلق وظائف تتجاوز مرحلة إنجاز المشروع وتمتد إلى مرحلة التشغيل والاستغلال.
ويطرح ارتفاع البطالة في صفوف بعض الفئات المؤهلة تحديا إضافيا، يتعلق بمدى ملاءمة منظومة التكوين مع حاجيات الاقتصاد المحلي. فالتحولات التي تشهدها الأقاليم الجنوبية تفتح المجال أمام قطاعات جديدة، خصوصا الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر والصناعة والخدمات اللوجستية والسياحة والاقتصاد البحري، وهي قطاعات تحتاج إلى كفاءات تقنية ومهنية متخصصة.
لذلك فإن معالجة البطالة لا يمكن أن تعتمد فقط على رفع حجم الاستثمار، وإنما تتطلب كذلك تطوير التكوين المهني والتقني وربطه بشكل مباشر بحاجيات المشاريع والقطاعات الصاعدة، بما يسمح بتحويل المؤهلات البشرية المحلية إلى عنصر جذب للاستثمار بدل أن تتحول إلى عامل يدفع جزءا من الكفاءات إلى مغادرة المنطقة.
وتضع هذه الأرقام أيضا ورش الجهوية المتقدمة أمام اختبار اقتصادي حقيقي، لأن نجاح الجهة في ممارسة أدوارها التنموية لا يقاس فقط بمدى نقل الاختصاصات إليها، وإنما بقدرتها على إنتاج الثروة وخلق فرص الشغل والاستجابة للخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية للمجال الترابي.
ومن هذه الزاوية فإن ارتفاع البطالة في جهة تتوفر على مؤهلات استثمارية وبنيات تحتية مهمة يعيد طرح مسألة العدالة المجالية، ليس فقط بين الجهات، وإنما داخل الجهة نفسها وبين مختلف الأقاليم والجماعات.
فالرهان لا يتعلق فقط بجذب المشاريع إلى المنطقة، بل بضمان انتشار آثارها الاقتصادية والاجتماعية على نطاق أوسع، وربط الاستثمار العمومي والخاص بالمؤهلات المحلية وبحاجيات السكان.
كما أن تعزيز دور الجهات في التنمية يتطلب موارد مالية وبشرية وكفاءات قادرة على التخطيط الاقتصادي، إلى جانب تسريع ورش اللاتمركز الإداري وتمكين المؤسسات الترابية من أدوات أكثر فعالية في مجال الاستثمار والتشغيل.
وتكشف هذه المعطيات عن مفارقة أخرى تتمثل في استمرار ارتفاع البطالة رغم تسجيل الاقتصاد الوطني معدلات نمو إيجابية.
فالنمو الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى انخفاض البطالة بالوتيرة نفسها، خصوصا عندما يكون جزء كبير من النشاط الاقتصادي متركزا في قطاعات ذات قدرة محدودة على خلق فرص شغل واسعة، أو عندما لا تتطابق مؤهلات الباحثين عن العمل مع حاجيات القطاعات المنتجة.
ولهذا يصبح الرهان خلال المرحلة المقبلة مرتبطا بتحقيق نمو أكثر ارتباطا بالتشغيل، أي نمو لا يقتصر على رفع الناتج والاستثمار، وإنما يساهم في خلق وظائف مستقرة وذات قيمة مضافة، خصوصا لفائدة الشباب والنساء وحاملي الشهادات.
ولا تعني هذه الأرقام بالضرورة أن المسار التنموي بجهة العيون الساقية الحمراء لم يحقق نتائج، كما لا يمكن اختزال الوضع الاقتصادي للجهة في مؤشر واحد، غير أن تسجيل معدل مركب للبطالة يبلغ 26,2 في المائة يفرض التعامل مع فجوة التشغيل باعتبارها تحديا قائما يحتاج إلى معالجة أكثر دقة.
فالمرحلة المقبلة تتطلب تعزيز القطاعات القادرة على خلق وظائف مستدامة، وتشجيع المبادرة المقاولاتية، وتوسيع قاعدة الاقتصاد المحلي، وربط المشاريع الكبرى بسلاسل إنتاج ومناولة محلية، إلى جانب توجيه التكوين نحو المهن التي ستحتاجها القطاعات الاقتصادية الصاعدة.
كما أن الرهان يتمثل في تحويل الاستثمارات التي تعرفها المنطقة إلى منظومة اقتصادية متكاملة، لا تقتصر آثارها على البنية التحتية، وإنما تمتد إلى الإنتاج والخدمات والمقاولة والتشغيل.
وعليه تضع أرقام المندوبية السامية للتخطيط جهة العيون الساقية الحمراء أمام معادلة واضحة: الدينامية الاستثمارية موجودة، لكن التحدي يكمن في ترجمتها إلى دينامية تشغيلية. فنجاح التنمية لا يقاس فقط بحجم المشاريع المنجزة أو الأموال المستثمرة، وإنما بمدى قدرتها على خلق الثروة وتحسين الدخل وتوفير فرص العمل، وعلى جعل النمو الاقتصادي محسوساً في الحياة اليومية للسكان.




