انتخابات الجزائر..عزوف غير مسبوق يعري النظام الجزائري أمام شعب

مدير الموقع7 يوليو 2026
انتخابات الجزائر..عزوف غير مسبوق يعري النظام الجزائري أمام شعب

العيون الآن 

انتخابات الجزائر..عزوف غير مسبوق يعري النظام الجزائري أمام شعب

لم تحمل الانتخابات التشريعية الجزائرية الأخيرة أي مفاجأة سياسية. فقبل إعلان النتائج كانت ملامح المشهد معروفة سلفا؛ الأحزاب التقليدية نفسها تتصدر والوجوه ذاتها تعود إلى البرلمان، بينما تتكرر الظاهرة الأكثر دلالة: عزوف شعبي غير مسبوق عن المشاركة في اختيار من يفترض أنهم يمثلون الجزائريين.

الأرقام التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات كانت كافية لتلخيص المشهد. نسبة مشاركة لم تتجاوز 21.42 في المائة، بما يعني أن ما يقارب أربعة أخماس الهيئة الناخبة اختارت عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع. إنها ليست مجرد نسبة متدنية، بل رسالة سياسية واضحة تعكس اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتطرح علامات استفهام جدية حول مستوى الثقة في المؤسسات المنتخبة.

ورغم هذا العزوف الواسع جاءت النتائج لتكرس هيمنة الأحزاب التي ظلت لعقود تشكل العمود الفقري للنظام السياسي. فقد تصدرت جبهة التحرير الوطني، تلتها التجمع الوطني الديمقراطي، فيما حافظت بقية الأحزاب المحسوبة على السلطة على مواقعها، وكأن السنوات التي أعقبت حراك 2019 لم تترك أي أثر على الخريطة السياسية أو على آليات إنتاج السلطة.

المفارقة أن السلطة حاولت التقليل من أهمية نسبة المشاركة معتبرة أنها لا تختلف كثيرا عن نسب تعرفها بعض الديمقراطيات الغربية. غير أن هذه المقارنة تبدو متهافتة، لأن الديمقراطيات الراسخة لا تقاس فقط بنسبة الإقبال على التصويت، بل تقاس قبل ذلك بوجود مؤسسات مستقلة، وتداول حقيقي على السلطة، وإعلام حر، ومجتمع مدني فاعل، وقضاء قادر على ضمان نزاهة العملية السياسية. أما استحضار نسب المشاركة بمعزل عن السياق السياسي فلا يغير من حقيقة أن غالبية الجزائريين فضلت إدارة ظهرها للعملية الانتخابية.

الأكثر دلالة أن هذا العزوف جاء رغم كل محاولات التعبئة الرسمية. فقد وفرت السلطات وسائل نقل مجانية، ومددت ساعات التصويت، وأطلقت حملات إعلامية واسعة، كما وجه الرئيس عبد المجيد تبون ووزير الداخلية دعوات مباشرة للمواطنين للمشاركة. غير أن كل هذه الإجراءات لم تنجح في إقناع الجزائريين، لأن الأزمة لم تكن لوجستية بل أزمة ثقة عميقة في جدوى الانتخابات نفسها.

لقد أثبتت هذه الانتخابات أن المشكلة لا تكمن في كيفية الوصول إلى مكاتب التصويت، وإنما في غياب القناعة بأن صناديق الاقتراع قادرة على إحداث تغيير حقيقي. وعندما يشعر المواطن بأن النتائج لن تغير موازين القوة، وأن البرلمان سيعاد تشكيله بالأحزاب ذاتها، فإن الامتناع عن التصويت يتحول إلى موقف سياسي أكثر منه عزوفا انتخابيا.

ومنذ الحراك الشعبي سنة 2019 رفعت الجماهير الجزائرية شعارات تطالب بدولة المؤسسات واستقلال القضاء، ومحاربة الفساد وتجديد النخب السياسية. غير أن المسار الذي أعقب تلك الاحتجاجات أفرز انتخابات متتالية، ودستورا جديدا، ومجالس منتخبة، دون أن ينجح في استعادة الثقة الشعبية أو إقناع قطاعات واسعة بأن هناك تحولا سياسيا حقيقيا.

تتفاقم هذه الأزمة بفعل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن الجزائري. فارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، واستمرار البطالة خاصة وسط الشباب، جعلت الأولويات اليومية تتقدم على الاهتمام بانتخابات لا يرى كثيرون أنها ستغير واقعهم المعيشي أو تفتح آفاقا سياسية جديدة.

ولم يعد ممكنا التعامل مع نسبة مشاركة في حدود 21 في المائة باعتبارها مجرد رقم عابر، لأن الشرعية السياسية لا تبنى فقط على احترام الإجراءات القانونية، وإنما أيضا على حجم المشاركة الشعبية والثقة العامة في المؤسسات. وكلما اتسعت دائرة المقاطعة، ازدادت الأسئلة حول مدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تمثيل الإرادة الشعبية.

لقد كشفت الانتخابات التشريعية الأخيرة أن النظام السياسي الجزائري نجح مرة أخرى في إعادة إنتاج بنيته الحزبية، لكنه أخفق في استعادة ثقة المجتمع. فالبرلمان تغيرت تركيبته الرقمية، لكن المشهد السياسي بقي على حاله، فيما ظل المواطن الجزائري يبعث برسالة متكررة مفادها أن الأزمة لم تعد أزمة انتخابات بل أزمة ثقة، وأزمة تمثيل، وأزمة شرعية سياسية لا يمكن تجاوزها بمجرد تنظيم استحقاقات دورية تعيد إنتاج النتائج نفسها.

الاخبار العاجلة