العيون الآن
الشراكة المغربية الموريتانية..من تعاون ثنائي إلى تحالف استراتيجي واعد
أوضح الكاتب الموريتاني السيد ولد اباه أن “العلاقات الاستراتيجية الخاصة بين المغرب وموريتانيا نادراً ما تجسدت في واقع ملموس، على الرغم من الوعي القائم في البلدين بضرورة تحقيق ذلك عملياً”. وأكد في الوقت ذاته أن “علاقات التعاون بين حكومتي البلدين شهدت، في السنوات الأخيرة، طفرة واسعة”.
وأشار ولد اباه، في مقاله الذي حمل عنوان “العلاقات المغربية الموريتانية.. من التعاون إلى الشراكة الاستراتيجية”، إلى أن “المغرب أصبح المستثمر الإفريقي الأول في موريتانيا، ولعبت مؤسساته المصرفية والصناعية والاتصالية دوراً كبيراً في تنشيط الاقتصاد الموريتاني”.
وأضاف الكاتب أن “المهمة العاجلة المطروحة اليوم على المغرب وموريتانيا هي انتشال المحور الجنوبي الساحلي من الصحراء الكبرى من الضياع والتفكك، عبر تبني مقاربة استراتيجية جديدة تستند إلى ثلاثة مقومات أساسية”.
نص المقال:
لطالما عانى المغرب، منذ عهد العاهل الراحل الملك الحسن الثاني، من حصار جغرافي مستمر على مدى قرون، بدأ مع حروب الاسترداد التي قطعت أجزاء من البلاد تحت السيطرة الإسبانية، وتواصل مع السيطرة العثمانية على الجزائر، التي أغلقت المنفذ الشرقي. ولم تتغير الصورة إلا قليلاً مع الاستعمار الفرنسي واستقلال الجارة الشرقية. لذا، فقد كان الجنوب، منذ عهد المرابطين، هو المجال الحيوي الجوهري للمملكة. أدرك هذه الحقيقة قادة كبار للمغرب مثل السلطان أحمد المنصور الذهبي والسلطان مولاي إسماعيل.
من جانبها، تُعد موريتانيا امتداداً استراتيجياً وثقافياً وروحياً للمغرب، وهو ما أدركه قادة هذه البلاد من ملوك المرابطين إلى زعماء الحركة الوطنية المعاصرة.
وعلى الرغم من هذا الترابط التاريخي والثقافي، فإن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين لم تُترجم إلا نادراً إلى واقع ملموس، على الرغم من الوعي بضرورة ذلك. وقد تجاوزت الديناميكية الشعبية بين البلدين المعادلة السياسية والدبلوماسية الرسمية.
تشير مؤشرات التبادل التجاري إلى أن هذه العلاقات شهدت طفرة ملحوظة في السنوات الأخيرة، حيث زادت وتيرة المعاملات التجارية بين البلدين بشكل ملحوظ. كما أن حركة التنقل بين الشعبين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أصدرت السفارة المغربية في نواكشوط العام الماضي حوالي خمسين ألف وثيقة سفر للموريتانيين، الذين أصبح المغرب وجهتهم الأولى للاستشفاء والدراسة وقضاء العطلات.
ويجدر التنويه بأن علاقات التعاون بين حكومتي البلدين شهدت طفرة واسعة في الآونة الأخيرة. وقد أشار سعادة السيد حميد شبار، سفير المغرب في نواكشوط، إلى أن حجم زيارات المسؤولين بين البلدين زاد بنسبة 57% مؤخراً. وأضاف أن المغرب أصبح المستثمر الإفريقي الأول في موريتانيا، حيث تلعب المؤسسات المصرفية والصناعية والاتصالية المغربية دوراً كبيراً في تنشيط الاقتصاد الموريتاني.
ويرى السفير شبار أن مع طرح المغرب لمبادرة الشراكة الأطلسية مع دول الساحل، بعد مشروع التكتل الأطلسي الإفريقي، وبدء إنجاز أنبوب الغاز الرابط بين نيجيريا والمغرب عبر موريتانيا، تنفتح آفاق جديدة للتكامل الاستراتيجي بين البلدين. فقد فرضت مقومات التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة على المغرب وموريتانيا أن يكونا نواة نظام إقليمي جديد في شمال وغرب إفريقيا.
وفي ضوء تعطل مشروع اتحاد المغرب العربي لأسباب معروفة منذ طرحه عام 1989، فإن محاولة إحيائه جزئياً لم تعد مجدية. كما أن إقصاء المغرب وموريتانيا من الصيغة المطروحة للبعض يعد خطأً لا يمكن تبريره.
من غير الممكن الفصل بين شمال وغرب إفريقيا، أي منطقة الصحراء والساحل، والتي أطلقت عليها أدبيات القرون الوسطى مصطلح “الغرب الإسلامي”. فقد شكلت هذه المنطقة منظومة مندمجة أو “اقتصاد- عالم”، بحسب المؤرخ الفرنسي فرناند بروديل، وليست خطوط الفصل الحالية سوى نتاج الاستراتيجيات الاستعمارية.
كان الرئيس السنغالي الراحل ليبولد سيدار سنغور يقول إن الصحراء لم تكن حاجزاً بين شمال إفريقيا وغربها؛ بل كانت جسراً للتواصل الحضاري، كما تجسد في مدينة تمبكتو التي وصفها بأنها “أثينا بلاد السودان”.
ويختم الكاتب بالتأكيد على أن المهمة العاجلة أمام المغرب وموريتانيا اليوم هي انتشال المحور الجنوبي الساحلي من الصحراء الكبرى من التفكك، عبر تبني مقاربة استراتيجية جديدة تستند إلى ثلاثة مقومات أساسية:
– بلورة تكتل إقليمي جديد مفتوح لجميع بلدان الساحل والصحراء، يركز على الاندماج الاقتصادي والأمن المشترك والتنسيق السياسي الوثيق.
– تفعيل مشروع الشراكة الساحلية- الأطلسية لتعزيز التبادلات التجارية وتوفير فرص تنموية نوعية لبلدان المنطقة، حيث سيكون لموانئ المغرب وموريتانيا دور محوري.
– استكمال مشروع أنبوب الغاز النيجيري- المغربي، الذي سيحدث تحولاً نوعياً في حياة سكان غرب إفريقيا، خصوصاً مع بدء تصدير الغاز الموريتاني- السنغالي.
في الختام، يرى الكاتب أن الشراكة الموريتانية- المغربية ليست مجرد ضرورة موضوعية للبلدين، بل هي أمل مستقبلي لمنطقة الساحل والصحراء بأكملها.











