العيون الآن.
حمزة وتاسو – العيون.
صوت مجلس النواب الإسباني لصالح مقترح قانون يقضي بمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الإسبانية للصحراء، في خطوة تشريعية تعيد الإرث الاستعماري الإسباني إلى واجهة النقاش السياسي، وتفتح الباب أمام توظيف ملف الجنسية في سياق يرتبط بشكل مباشر بقضية الصحراء المغربية.
وحصل المقترح على 168 صوتا مؤيدا مقابل 31 صوتا معارضا و147 امتناعا، وسط احتفاء لافت داخل المؤسسة التشريعية من برلمانيين مؤيدين للبوليساريو وعناصر موالية للجبهة الانفصالية، في مشهد تجاوز حدود النقاش القانوني حول الجنسية إلى محاولة واضحة لإضفاء حمولة سياسية على التصويت وربطه بالنزاع حول الصحراء.
ويستوجب هذا التطور التمييز بين أمرين لا ينبغي الخلط بينهما: احترام القرارات الصادرة عن المؤسسات السيادية للدول، وهو مبدأ ثابت في العلاقات الدولية، وبين تجاهل محاولات توظيف تلك المؤسسات في قضايا تمس المصالح العليا للمملكة، فاحترام سيادة المؤسسات الإسبانية لا يعني القبول بتأويلات سياسية تسعى إلى منح قرار تشريعي داخلي أكثر مما يحتمل من دلالات تتعلق بالسيادة أو التمثيلية.
وتكشف مظاهر الاحتفاء التي رافقت التصويت عن طبيعة التوظيف السياسي الذي حاولت بعض الأطراف إضفاءه على المبادرة، فالجنسية باعتبارها رابطة قانونية بين الفرد والدولة، لا تمنح تلقائيا أي طرف حق الادعاء بتمثيل سكان إقليم أو التحدث باسمهم، كما أن معالجة وضعية قانونية لفئة معينة لا يمكن أن تتحول إلى سند سياسي لإعادة رسم واقع إقليمي أو مصادرة إرادة سكانه.
وتبرز هنا مسألة التمثيلية باعتبارها جوهرية في قراءة المشهد، فتمثيل ساكنة الصحراء المغربية لا تحدده مشاهد الاحتفاء داخل قاعات البرلمان الإسباني، ولا الشعارات التي ترفعها الجهات المؤيدة للبوليساريو، ولا المزايدات السياسية التي ترافق بعض المبادرات التشريعية، وإنما تحدده إرادة أبناء الأقاليم الجنوبية ومؤسساتهم المنتخبة على أرض الواقع، عبر الاستحقاقات والمؤسسات التي تعبر عن اختيارات السكان وتمارس أدوارها داخل الإطار الوطني للمملكة.
ويعيد التصويت الإسباني بهذا المعنى، طرح سؤال الحدود بين التشريع الوطني والتوظيف السياسي للملفات ذات الامتدادات الدولية، فمن حق البرلمان الإسباني أن يناقش ويصوت على القوانين التي تدخل ضمن اختصاصاته، لكن تحويل ذلك التصويت إلى منصة لإعادة إنتاج خطاب انفصالي أو تقديمه باعتباره تعبيرا عن إرادة جماعية لسكان الصحراء يظل قراءة سياسية تتجاوز الطبيعة القانونية للمبادرة.
وتتأكد أهمية هذا التمييز في ظل التحولات التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، والتي انتقلت من مرحلة توتر سياسي إلى شراكة استراتيجية متعددة المستويات، ولذلك فإن أي مبادرة إسبانية تستحضر الصحراء أو الإرث الاستعماري تكتسب تلقائيا حساسية تتجاوز حدودها التشريعية، خصوصا عندما ترافقها مواقف أو مظاهر سياسية تسعى إلى توظيفها في اتجاه يتعارض مع منطق الشراكة القائمة بين البلدين.
ولا يمكن اختزال قضية الصحراء المغربية في وثيقة إدارية أو قانون متعلق بالجنسية، كما لا يمكن اختزال تمثيل سكانها في فئة سياسية تنشط خارج الأقاليم الجنوبية أو في جماعات تستثمر في الإرث الاستعماري الإسباني لإعادة إنتاج خطاب الانفصال، فالواقع السياسي والاجتماعي والمؤسساتي في الأقاليم الجنوبية قائم على معطيات ميدانية ومؤسسات منتخبة وإرادة سكانية لا تلغيها صورة احتفالية داخل البرلمان الإسباني.
وتضع هذه الخطوة أيضا المسؤولية أمام مختلف الأطراف في ضرورة الفصل بين الذاكرة التاريخية والسياسة الراهنة، فإسبانيا كانت القوة الاستعمارية التي أدارت الصحراء إلى حدود سنة 1975، لكن استحضار تلك المرحلة بعد عقود لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لإعادة هندسة النزاع أو منح البوليساريو شرعية تمثيلية لا يستمدها من مجرد احتفاء سياسي داخل مؤسسة تشريعية أجنبية.
ويبقى جوهر القضية أن القرارات السيادية للدول تحظى بالاحترام، لكن المصالح الوطنية العليا للمملكة ليست مجالا للمساومة السياسية، كما أن تمثيل سكان الصحراء المغربية لا يصنعه البرلمان الإسباني ولا تحدده مواقف المتعاطفين مع البوليساريو، بل تصوغه إرادة أبنائها ومؤسساتهم المنتخبة على أرض الأقاليم الجنوبية.
وفي نهاية المطاف فإن التصويت الإسباني قد يفتح مسارا قانونيا أمام فئة محددة، لكنه لا يمنح أي جهة تفويضا سياسيا للحديث باسم ساكنة الصحراء المغربية، ولا يغير واقعها المؤسساتي والسياسي، ولا يعيد عقارب الساعة إلى مرحلة الإدارة الاستعمارية.




