العيون الآن.
حمزة وتاسو – العيون.
أعاد مسعود بولس مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، قضية الصحراء إلى صلب النقاش السياسي، بعدما أكد أن واشنطن لا تزال تنتظر ملاحظات جبهة البوليساريو بشأن مقترح الحكم الذاتي المغربي، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة الدفع نحو تسوية سياسية للنزاع، وتأتي هذه التصريحات في سياق مسار تفاوضي أعيد تحريكه خلال 2026، وتستند مرجعيته الأممية الحالية إلى قرار مجلس الأمن 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025.
المهم في تصريحات بولس ليس حجم التأويلات التي رافقتها، ولا محاولات تقديمها باعتبارها انتصارا لهذا الطرف أو ذاك، وإنما السؤال الذي تفرضه على طاولة التفاوض: ماذا ستقدم البوليساريو في مقابل مقترح أصبح مجلس الأمن نفسه يجعله أساسا للمفاوضات ؟
فالقرار 2797 لا يعلن انتهاء النزاع، ولا يفرض على البوليساريو قبول الحكم الذاتي، ولا يحسم النتيجة النهائية للمفاوضات، لكنه يقرر بوضوح دعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي في تيسير مفاوضات تتخذ من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا لها، مع الترحيب بأي مقترحات بناءة من الأطراف استجابة لهذا المقترح، كما يدعو الأطراف إلى الانخراط في المناقشات دون شروط مسبقة بهدف الوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه، يوفر تقرير المصير لسكان الصحراء المغربية.
وهنا تحديدا تتضح أهمية كلام بولس فالمسألة لم تعد مجرد وجود مقترح مغربي قدم إلى الأمم المتحدة سنة 2007، وإنما انتقال هذا المقترح إلى موقع أكثر مركزية داخل الإطار التفاوضي الذي حدده مجلس الأمن.
ولفهم هذا التحول، لا بد من العودة إلى القرار 1754 الصادر سنة 2007، فقد دعا مجلس الأمن آنذاك المغرب والبوليساريو إلى الدخول في مفاوضات دون شروط مسبقة وبحسن نية، من أجل التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومتوافق عليه، وأخذ علما في الوقت نفسه بالمقترحين المغربي ومقترح البوليساريو.
كان ذلك يعني أن الطرفين دخلا المسار التفاوضي وهما يحملان تصورين مختلفين للحل، أما اليوم فإن القرار 2797 أعاد صياغة قاعدة التفاوض بصورة أكثر تحديدا، عندما جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمناقشات، مع إبقاء الباب مفتوحا أمام الأفكار البناءة التي يمكن أن تقدمها الأطراف تحت المقترح المغربي.
ومن هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه على قيادة البوليساريو ليس كيف يمكن تأويل تصريح مسعود بولس، وإنما ما الذي ستضعه على الطاولة عندما تبدأ مرحلة التفاوض الفعلي حول تفاصيل التسوية.
فالقرار الأممي لا يقول إن الاستقلال أصبح نتيجة مقررة، كما أنه لا يعيد إطلاق استفتاء الاستقلال باعتباره المسار الوحيد للتفاوض، وفي المقابل ينص صراحة على أن المفاوضات تتخذ من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا لها، مع التأكيد على أن الغاية هي الوصول إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.
وهذا التفصيل مهم، لأن اختزال القرار في عبارة “الحكم الذاتي هو الحل المفروض” سيكون قراءة غير دقيقة، تماما كما أن تقديمه باعتباره تراجعا عن المقترح المغربي سيكون قراءة لا تسندها صياغة القرار.
بل إن تصريحات بولس نفسها تؤكد تعقيد المسار، ففي نوفمبر 2025 أوضح أن القرار لا يمنح مقترح الحكم الذاتي حصرا مطلقا باعتباره الحل الوحيد، وأن الباب يظل مفتوحا أمام مبادرات وأفكار أخرى يمكن أن تقدمها الأطراف.
لكن ترك الباب مفتوحا أمام الأفكار لا يغير نقطة أساسية: الوثيقة التي حدد مجلس الأمن أنها أساس المفاوضات هي مقترح الحكم الذاتي المغربي.
وهنا تكمن المعضلة السياسية التي تواجه البوليساريو، فإذا كانت الجبهة ترفض المقترح المغربي فإن المسار التفاوضي يضع أمامها مساحة واضحة لتقديم أفكارها ومقترحاتها، وإذا كانت تتمسك بالاستقلال باعتباره خيارها النهائي، فإن التحدي يصبح أكثر تعقيدا: كيف يمكن تحويل هذا الموقف إلى صيغة تفاوضية قادرة على التعامل مع الإطار الذي حدده القرار 2797 ؟
ذلك أن السياسة لا تتوقف عند إعلان المواقف، بل تبدأ عند لحظة تحويلها إلى مقترحات قابلة للنقاش والتسوية.
وتزداد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى ما جرى خلال 2026، فقد دخلت الولايات المتحدة بشكل مباشر في تحريك الاتصالات، وشهد المسار لقاءات بمشاركة المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا، في إطار جهود أمريكية وأممية لإعادة إطلاق العملية السياسية كما أكدت واشنطن مجددا دعمها لحل يقوم على حكم ذاتي حقيقي تحت السيادة المغربية.
وفي فبراير 2026 استضافت مدريد جولة من هذه الاتصالات، قدم خلالها الجانب المغربي تصورا موسعا لمقترح الحكم الذاتي، بحسب تقارير إعلامية عن الاجتماع وهذه المعطيات تؤكد أن النقاش لم يعد محصورا في الشعارات العامة، بل بدأ يتجه نحو تفاصيل ترتبط بمؤسسات الحكم والاختصاصات والتمثيل والإدارة والموارد.
لكن ذلك لا يعني أن التسوية أصبحت وشيكة أو أن الخلافات اختفت، بل على العكس تصريحات بولس الأخيرة تؤكد أن واشنطن نفسها لا تتحدث عن حل نهائي قريب، وأن ملاحظات البوليساريو بشأن مقترح الحكم الذاتي ما تزال جزءا من الحسابات التفاوضية المقبلة.
ومن هنا يصبح من الخطأ التعامل مع المشهد بمنطق “انتصار” أو “هزيمة”، فالمسار لم ينته والبوليساريو لم تعلن قبولها النهائي بالحكم الذاتي، كما أن المغرب لم يحصل على تسوية نهائية للنزاع، الموجود فعليا هو انتقال واضح في قاعدة التفاوض، مع بقاء النتيجة النهائية رهينة بالمفاوضات.
كما أن التعامل مع سكان مخيمات تندوف باعتبارهم طرفا مسؤولا عن خيارات القيادة السياسية للبوليساريو سيكون تبسيطا غير مهني للمشهد، القرارات السياسية تتخذها القيادات والأطراف المشاركة في العملية التفاوضية، ولا ينبغي تحميل السكان تبعات تلك الخيارات.
والأمر نفسه ينطبق على الجزائر، التي تشكل لاعبا إقليميا أساسيا في هذا الملف، فموقفها الداعم للبوليساريو ولخيار تقرير المصير ظل حاضرا في المسار الدبلوماسي، فيما أصبحت مشاركتها في الاتصالات التي جرت خلال 2026 جزءا من التحرك الأمريكي والأممي الجديد، ولذلك فإن أي تسوية مستدامة لا يمكن فصلها عن موقف الجزائر وعن استعدادها للمشاركة في المسار السياسي.
أما إسبانيا، فإن مقاربتها بدورها لا تختزل في موقف واحد، فالحكومة الإسبانية أعلنت دعمها للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وواقعيا للحل، في حين تستمر داخل الساحة السياسية الإسبانية أصوات وأحزاب تتبنى مواقف مختلفة من النزاع، ولذلك فإن التمييز بين الموقف الحكومي والمواقف الحزبية والمدنية يظل ضروريا عند قراءة الموقف الإسباني.
ختاما تصريحات مسعود بولس لا تحتاج إلى صناعة انتصار إعلامي للبوليساريو، قيمتها السياسية تكمن في أنها تعكس طبيعة المرحلة الحالية: الولايات المتحدة تدفع نحو استئناف التفاوض، مجلس الأمن حدد في قراره 2797 مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمناقشات، والبوليساريو مطالبة بالتفاعل مع هذا الإطار وتقديم ملاحظاتها ومقترحاتها.
وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية، والأبعد عن الدعاية هو إذا كان مقترح الحكم الذاتي هو أساس التفاوض، فما هي الصيغة التي ستضعها البوليساريو على الطاولة ؟











