العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
لم تعد محاولات استهداف المغرب داخل أروقة مجلس حقوق الإنسان بجنيف تتوقف عند الملفات الحقوقية التقليدية المرتبطة بالحريات، بعدما بدأت مع الدورة الـ63 للمجلس جولة جديدة من معركة السرديات حول الصحراء المغربية، انتقلت هذه المرة إلى ملفات التنمية والموارد الطبيعية والطاقة والعدالة المناخية.
بدت ملامح هذا التحول واضحة منذ الأيام الأولى للدورة المنعقدة في جنيف بين 7 شتنبر و7 أكتوبر 2026، بعد تنظيم نشاط موازٍ يوم الثلاثاء 8 شتنبر حول العدالة المناخية وحقوق الإنسان في سياقات النزاعات، استحضر خلاله ملف الصحراء ضمن نقاش الموارد والطاقة وتقرير المصير.
سعت المداخلات إلى ربط المشاريع الاقتصادية والطاقية والبنيات التحتية في الأقاليم الجنوبية بمفاهيم العدالة المناخية والموارد الطبيعية، في مؤشر على انتقال جانب من الخطاب المناهض للمغرب من مساءلة الوضع الحقوقي المباشر إلى التشكيك في مشروعية الدينامية التنموية التي تعرفها المنطقة.
هذا التحول يتجاوز كونه مجرد تغيير في المفردات. فبعد سنوات ظل خلالها النقاش يتركز على الحريات والاحتجاجات والاعتقالات، بدأت تظهر داخل الفضاء الحقوقي أسئلة من قبيل: من يستثمر؟ ومن يستفيد؟ ومن يقرر؟ وما الأثر البيئي للمشاريع؟ وما موقع السكان المحليين داخل الدورة الاقتصادية؟. بذلك تصبح التنمية والطاقة والموارد الطبيعية أدوات جديدة داخل معركة الترافع حول الصحراء.
غير أن حضور هذه النقاشات داخل الأنشطة الموازية لا يعني أن القضية أصبحت بندا مستقلا على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان، كما لا يعني أن المجلس أو المفوضية السامية يتبنيان المواقف التي تقدمها الجهات المنظمة.
تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الخلط المتكرر بين ما يقال داخل فضاءات الأمم المتحدة وما يصدر فعليا عن مؤسساتها.
في المقابل اختار الوفد المغربي خلال الدورة الحالية مقاربة تقوم على إبراز انخراط المملكة في آليات الأمم المتحدة والعمل متعدد الأطراف، بدل من حصر حضوره في الرد على المداخلات المرتبطة بالصحراء.
وبرز هذا التوجه من خلال الاهتمام بإصلاح آلية الاستعراض الدوري الشامل، واستحضار اللقاء التشاوري الذي احتضنته الرباط خلال يونيو الماضي بمشاركة ممثلين عن الدول والمفوضية السامية لحقوق الإنسان والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية.
كما يرتقب تنظيم نشاط مواز يوم 24 شتنبر لتقديم خلاصات هذا المسار، في خطوة تعكس رغبة المغرب في الانتقال من موقع الدولة التي ترد على الانتقادات إلى موقع المساهمة في تطوير أدوات العمل الحقوقي الدولي.
ويمثل هذا التحول جزءا من مقاربة أوسع تسعى إلى تثبيت صورة المملكة كفاعل داخل المنظومة الحقوقية وليس فقط كموضوع للنقاش داخلها.
وتبرز هنا إحدى أهم مفارقات الدورة الحالية. فالصحراء ليست بندا مستقلا على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان، لكن ذلك لم يمنع استمرار حضورها داخل المداخلات والأنشطة الموازية التي تنظمها دول ومنظمات غير حكومية.
هذا الوضع يساعد على فهم انتقال الخطاب إلى موضوعات جديدة. فحين يصبح من الصعب فرض النزاع كملف حقوقي مستقل، تتيح قضايا المناخ والبيئة والموارد والطاقة والتنمية المستدامة أبوابا أخرى لإعادة طرحه داخل فضاء جنيف.
وبذلك تنتقل المواجهة تدريجيا من سؤال الانتهاكات الحقوقية المباشرة إلى نقاش أكثر تعقيدا يتعلق بطبيعة التنمية ومن يستفيد منها وكيف تدار الموارد.
يعكس هذا التحول أيضا تغيرا في طبيعة المعركة حول صورة الأقاليم الجنوبية. فالمغرب راكم خلال السنوات الماضية حضورا أكبر داخل الآليات الأممية، سواء عبر الاستعراض الدوري الشامل أو التفاعل مع عدد من الإجراءات الخاصة أو من خلال عمل المؤسسات الوطنية والجهوية لحقوق الإنسان.
وفي الوقت نفسه شهدت مدن الجنوب توسعا في مشاريع البنية التحتية والطاقة والموانئ والتعليم والصحة والاستثمار. هذا الواقع جعل الخطاب المناهض للمغرب يبحث عن مساحات جديدة للمواجهة.
فبدلا من التركيز حصرا على سجل الحقوق المدنية والسياسية، يجري اليوم إدخال المشاريع الاقتصادية نفسها إلى ساحة النقاش، عبر مساءلة مواردها وآثارها البيئية ومدى استفادة السكان منها.
تفتح هذه المقاربة جبهة أكثر تعقيدا لأنها تحول ما يقدمه المغرب باعتباره دليلا على التنمية إلى موضوع للمساءلة السياسية والحقوقية في الوقت ذاته.
من هنا لم تعد مشاريع الطاقة المتجددة أو الموانئ أو شبكات الطرق والبنيات الاقتصادية مجرد ملفات تنموية تقنية. فداخل الترافع الدولي يمكن أن تتحول هذه المشاريع إلى عناصر في بناء روايات متعارضة حول المنطقة.
في المقابل يملك المغرب مجالا واسعا لإبراز حجم الاستثمارات، وفرص الشغل، ومستوى مشاركة السكان المحليين، ودور المجالس المنتخبة، والآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه المشاريع. وهكذا تتحول المعركة من تبادل الاتهامات إلى تنافس حول القدرة على تقديم أدلة قابلة للقياس والتحقق.
هذا التحول يفرض بدوره تطوير أدوات الترافع المغربي. فمواجهة خطاب يعتمد البيئة والمناخ والموارد لا يمكن أن تقوم فقط على الرد السياسي، بل تحتاج إلى بيانات واضحة بشأن حجم الاستثمارات، ونسب التشغيل، والأثر الاجتماعي، والاستدامة البيئية، ومشاركة المجالس المنتخبة والسكان المحليين في تحديد أولويات التنمية.
وكلما اتسعت قاعدة المعطيات الميدانية أصبح من الصعب اختزال الأقاليم الجنوبية في صورة واحدة تقدمها التقارير السياسية المتعارضة. فالجامعات والمستشفيات والموانئ والطاقة المتجددة والطرق والمؤسسات المنتخبة والمجتمع المدني أصبحت جميعها جزءا من المادة التي يُبنى عليها النقاش الدولي حول واقع المنطقة.
تظهر الدورة الحالية أن التحدي المغربي لم يعد مقتصرا على مواجهة الاتهامات وإنما على امتلاك سردية استباقية. ذلك يعني الانتقال من سؤال “كيف نرد؟” إلى سؤال “ماذا نقدم للعالم قبل أن يقدم الآخر روايته؟”.
في هذا السياق يصبح حضور أبناء الأقاليم الجنوبية أنفسهم مهما ليس فقط باعتبارهم موضوعا للحديث، بل كفاعلين سياسيين ومدنيين واقتصاديين يقدمون تجربتهم ومعطياتهم مباشرة أمام المؤسسات الدولية.
كما يصبح توثيق الأثر الفعلي للمشاريع الاقتصادية والاجتماعية أكثر أهمية من الاكتفاء بعرض حجم الاستثمارات وحده. فالرهان لم يعد فقط على إظهار أن المشاريع موجودة، بل على إثبات من يستفيد منها وكيف تنعكس على حياة السكان.
تكشف الدورة الـ63 لمجلس حقوق الإنسان أن الصراع حول الصحراء دخل مرحلة جديدة داخل فضاء جنيف. فبينما يستمر المسار السياسي للنزاع داخل الأمم المتحدة وفق قنواته الخاصة، تحاول الأطراف المناهضة للمغرب إبقاء الملف حاضرا من خلال قضايا صاعدة تحظى باهتمام متزايد داخل المنظومة الحقوقية، وفي مقدمتها المناخ والطاقة والموارد الطبيعية والاستثمار.
في المقابل يجد المغرب نفسه أمام فرصة لتحويل هذه الملفات نفسها إلى عناصر قوة، عبر تقديم الأقاليم الجنوبية من خلال واقعها الاقتصادي والاجتماعي والمؤسساتي والبيئي.
هكذا لم تعد معركة جنيف تدور فقط حول من يمتلك الرواية الأكثر صخبا، بل حول من يمتلك المعطيات الأكثر قدرة على الصمود أمام التدقيق.











