العيون الآن.
حمزة وتاسو / باريس.
في خطوة تعكس تسارع وتيرة التموقع الصناعي للمغرب في سلاسل القيمة العالمية، ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، حفل تدشين أحد أكبر المراكز الصناعية في العالم المتخصص في تصنيع أنظمة هبوط الطائرات التابعة لمجموعة Safran Landing Systems، وذلك بالمنطقة الصناعية للنواصر ضواحي الدار البيضاء، مشروع استراتيجي بقيمة استثمارية تتجاوز 280 مليون يورو، يرتقب أن يخلق نحو 500 منصب شغل مباشر، ويعزز مساهمة المغرب في إنتاج طائرات Airbus عبر منظومة صناعية متكاملة وبكفاءات محلية.
الحدث الصناعي الذي حضره مسؤولون حكوميون وقيادات صناعية دولية، جاء في سياق إقليمي يتسم بتباين المقاربات التنموية، حيث تزامن مع تنظيم مباراة كروية ذات طابع رمزي بالجزائر، وصفت في وسائل إعلام محلية بكونها حدثا سياسيا أكثر منه رياضيا، في مشهد يعكس اختلاف أولويات الاستثمار في المنطقة.

يمثل المشروع الجديد إضافة نوعية إلى المنظومة الصناعية الجوية بالمغرب، التي راكمت خلال العقدين الأخيرين تجربة معتبرة في جذب الاستثمارات الدولية عالية التقنية، وأكد مسؤولو المجموعة الفرنسية أن المصنع سيساهم في رفع وتيرة إنتاج أنظمة الهبوط، تماشيا مع الطلب العالمي المتزايد على الطائرات المدنية، خصوصا من طرازات “إيرباص”.
ويأتي هذا التطور في إطار الاستراتيجية الوطنية لتطوير قطاع الطيران، الذي أصبح أحد أبرز محركات الصادرات الصناعية للمملكة، مستفيدا من بنية تحتية لوجستية متقدمة، واتفاقيات تبادل حر، ورأسمال بشري مؤهل كما يعكس ثقة متنامية من قبل الفاعلين الدوليين في مناخ الأعمال المغربي، واستقراره المؤسساتي.
إلى جانب الأثر الاقتصادي المباشر، ينتظر أن يحدث المشروع دينامية في سلاسل التوريد المحلية، من خلال تحفيز المقاولات الصغرى والمتوسطة المرتبطة بالصناعات الميكانيكية والهندسية الدقيقة، كما يعزز نقل التكنولوجيا وتوطين الخبرات، بما يدعم مسار التصنيع المتقدم الذي تراهن عليه المملكة.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل التحولات التي يعرفها قطاع الطيران عالميا، سواء من حيث الطلب أو من حيث إعادة توزيع مراكز الإنتاج، ما يجعل من تموقع المغرب ضمن هذه المنظومة خيارا استراتيجيا طويل الأمد.
في المقابل عرفت الجزائر خلال الفترة ذاتها تنظيم مباراة كروية ذات أبعاد سياسية، شارك فيها فريق تم تقديمه إعلاميا باعتباره يمثل ما يسمى بجبهة البوليساريو، في خطوة أثارت نقاشا داخليا وخارجيا حول توظيف الفضاء الرياضي في سياقات سياسية.
ويرى متابعون أن هذا التزامن بين حدث صناعي ذي بعد اقتصادي عالمي، ونشاط ذي طابع رمزي سياسي، يعكس اختلافا في ترتيب الأولويات بين بلدين جارين، خصوصا في ظل استمرار الجمود الذي يطبع ملف الصحراء على المستوى الدبلوماسي.
في هذا السياق تظل مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، باعتبارها إطارا لتسوية النزاع تحت السيادة المغربية، محور نقاش دولي متواصل، لاسيما بعد توالي مواقف داعمة لها من قوى دولية وازنة، من بينها الولايات المتحدة، التي أكدت في أكثر من مناسبة دعمها لمقترح تعتبره “جادا وواقعيا وذا مصداقية”.
يبرز الحدث الصناعي بالنواصر استمرار المغرب في ترسيخ اختياراته الاقتصادية القائمة على الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتطوير قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، كما يؤشر إلى تحول نوعي في طبيعة الاستثمارات المستقطبة، من صناعات تجميع بسيطة إلى صناعات دقيقة تتطلب هندسة متقدمة ومعايير جودة عالمية.
وفي محيط إقليمي تتداخل فيه الاعتبارات السياسية بالتنموية، يظل الرهان الاقتصادي عاملا حاسما في تحديد مسارات النمو والاستقرار، وبين من يراهن على تعميق التصنيع والانخراط في سلاسل الإنتاج الدولية، ومن يواصل الاشتغال على ملفات سياسية مؤجلة، تتضح معالم مسارين متوازيين يعكسان رؤيتين مختلفتين لمفهوم الأولوية الوطنية.











