سبتة تسقط رهانات الجزائر.. تصعيد إعلامي واسع دون اختراق في علاقة الرباط ومدريد.

مدير الموقع20 أغسطس 2026
سبتة تسقط رهانات الجزائر.. تصعيد إعلامي واسع دون اختراق في علاقة الرباط ومدريد.

العيون الآن 

يوسف بوصولة – العيون

لم تنجح أزمة الهجرة التي شهدتها مدينة سبتة يومي 30 و31 يوليوز و 15 غشت الجاري في إحداث التحول السياسي الذي كان يمكن أن يمنح الجزائر وجبهة البوليساريو الانفصالية هامشا جديدا للمناورة في مواجهة المغرب. فعلى الرغم من حدة الأزمة والضغط السياسي والإعلامي الذي رافقها داخل إسبانيا، حافظت مدريد على قنوات التنسيق مع الرباط وتعاملت مع التطورات باعتبارها أزمة مرتبطة بالهجرة وأمن الحدود، دون أن تسمح لها بالتحول إلى أزمة دبلوماسية شاملة.

وفي الوقت الذي كان فيه الملف قابلا لأن يعيد العلاقات المغربية الإسبانية إلى مربع التوتر، خصوصا في ظل حساسية قضية سبتة ومليلية، اختارت الحكومة الإسبانية احتواء الأزمة والإبقاء على التعاون مع المغرب بما في ذلك التنسيق بشأن إعادة الأشخاص الذين دخلوا المدينة بشكل غير قانوني.

يكتسي هذا المسار أهمية خاصة بالنسبة للجزائر التي كانت قد عملت خلال الفترة الأخيرة على إعادة بناء قنوات التواصل مع مدريد، في وقت تشكل فيه العلاقات المغربية الإسبانية أحد أبرز التحولات الدبلوماسية التي شهدها ملف الصحراء خلال السنوات الماضية.

منذ بداية الأزمة حرصت الحكومة الإسبانية على الفصل بين تدبير موجة الهجرة وبين الإطار العام للعلاقات مع المغرب. وأكدت مواقف رسمية صادرة عن مدريد استمرار التعاون مع الرباط، فيما تحدث رئيس الحكومة بيدرو سانشيز عن أهمية التنسيق مع السلطات المغربية، خصوصا في ما يتعلق بإعادة المهاجرين ومراقبة الحدود.

كما أكدت الخارجية الإسبانية أن العلاقات مع المغرب لا تزال “ممتازة”، في حين شددت وزارة الداخلية على استمرار التعاون المغربي في مواجهة تداعيات الأزمة.

وبذلك لم تنتقل الأحداث من المستوى الأمني والحدودي إلى مستوى مواجهة سياسية بين الدولتين، رغم الأصوات التي طالبت داخل إسبانيا باتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه المغرب.

وظل الخلاف بشأن سبتة ومليلية محصورا إلى حد كبير في التصريحات المتعلقة بالسيادة، دون أن يتحول إلى إجراءات دبلوماسية أو سياسية من شأنها إعادة صياغة العلاقات الثنائية. وهذه النتيجة تحد من إمكانية توظيف الأزمة في إعادة فتح الملفات الاستراتيجية التي سبق أن سببت توترات بين البلدين.

في المقابل شهد الإعلام الجزائري خلال الأسابيع التي أعقبت أحداث سبتة كثافة لافتة في تناول المغرب. وبحسب رصد أجرته جريدة الصحيفة خلال الفترة الممتدة من 30 يوليوز إلى 19 غشت، تم تسجيل نحو 3900 مادة ومنشور وفيديو مرتبط بالمغرب ضمن عينة واسعة من وسائل الإعلام الجزائرية ومنصاتها الرقمية.

توزعت هذه المواد بين الإعلام العمومي والخاص إضافة إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث شكلت المنشورات والفيديوهات والمضامين المعاد نشرها جزءا كبيرا من إجمالي المحتوى المرصود.

ووفق الرصد نفسه تراوحت نسبة العناوين التي حملت اتجاها سلبيا أو اتهاميا تجاه المغرب بين 74 و80 في المائة، لترتفع داخل المؤسسات الإعلامية العمومية إلى ما بين 80 و86 في المائة.

كما لم تبقِ التغطية محصورة في أحداث سبتة إذ توسعت إلى قضايا الصحراء والهجرة والمخدرات والجريمة والوضع الاجتماعي والعلاقات المغربية الأوروبية.

وبذلك انتقلت الأزمة من كونها حدثا حدوديا محدودا زمنيا إلى مادة إعلامية ممتدة أعيد توظيفها في تناول عدد كبير من الملفات المرتبطة بالمغرب. غير أن كثافة التغطية الإعلامية لم تقابلها في المقابل نتائج سياسية مماثلة على مستوى العلاقات المغربية الإسبانية.

تكشف طبيعة المواد المنشورة أن سبتة شكلت نقطة انطلاق لتوسيع النقاش حول المغرب داخل الإعلام الجزائري. فوفق المعطيات المرصودة استحوذت سبتة والهجرة والعلاقات المغربية الإسبانية على نحو 36 في المائة من الإنتاج، بينما خصص حوالي 24 في المائة لقضية الصحراء، و16 في المائة لملفات المخدرات والجريمة والأمن، فيما توزعت النسبة المتبقية بين الوضع الداخلي والعلاقات مع أوروبا وقضايا أخرى.

تظهر هذه الأرقام أن الأزمة تحولت سريعا إلى إطار أوسع لإعادة تقديم الموقف الجزائري من المغرب، بدل أن تظل مرتبطة فقط بتطورات الهجرة في سبتة غير أن المشكلة بالنسبة لهذا المسار تكمن في الفارق بين التأثير الإعلامي والنتيجة السياسية.

فارتفاع عدد المواد المنشورة وتكرار الروايات نفسها لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير مواقف الدول، خصوصا عندما تكون هذه المواقف مرتبطة بحسابات استراتيجية ومصالح اقتصادية وأمنية متشابكة.

كان التطور الأكثر أهمية بالنسبة لمسار الأزمة هو عدم عودة ملف الصحراء إلى واجهة التجاذب المغربي الإسباني. فخلال الأزمة الأخيرة، لم تربط مدريد رسميا بين تدبير ملف الهجرة وموقفها من النزاع، كما لم تظهر مؤشرات على مراجعة موقفها الذي أعلنته سنة 2022 بشأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

يختلف ذلك بشكل واضح عن أزمة 2021 حين أدى استقبال زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي في إسبانيا إلى أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين، قبل أن تنتهي بتحول جوهري في الموقف الإسباني من قضية الصحراء.

ومنذ ذلك التحول أصبح التعاون المغربي الإسباني يقوم على شبكة واسعة من المصالح المشتركة، تشمل الهجرة والأمن والتجارة والاستثمار والطاقة والتعاون الإقليمي.

هذه المصالح تجعل أي أزمة ظرفية قابلة للاحتواء دون أن تؤدي بالضرورة إلى إعادة النظر في الإطار الاستراتيجي للعلاقات.

تظهر هذه التطورات حدود الرهان الجزائري على أزمة سبتة، فقد اتسع حضور المغرب في الإعلام الجزائري بصورة غير مسبوقة خلال فترة قصيرة، وترافقت التغطية مع خطاب سياسي وإعلامي شديد التركيز على تحميل الرباط مسؤولية التطورات وربطها بملفات أخرى، خصوصا الصحراء والعلاقات مع إسبانيا.

لكن في المقابل لم تسجل الأزمة تحواً مماثلا في السياسة الإسبانية. لم تتراجع مدريد عن شراكتها مع الرباط، ولم تعد قضية الصحراء إلى وضعية ما قبل 2022، ولم تتحول أحداث سبتة إلى أزمة دبلوماسية جديدة بين البلدين.

وهنا تبرز إحدى نقاط الضعف في المقاربة الجزائرية: القدرة على إنتاج خطاب تصعيدي واسع لا تقابلها بالضرورة قدرة مماثلة على تحويل الأزمات إلى مكاسب دبلوماسية.

فالعلاقة مع إسبانيا أثبتت خلال الأزمة الأخيرة أنها أصبحت مرتبطة بمصالح تتجاوز الخلافات الظرفية، بينما ظلت الجزائر عاجزة عن تحويل الأزمة إلى إعادة تموضع إسباني يخدم رؤيتها بشأن الصحراء.

ولا يقتصر الأمر على مدريد وحدها، إذ تتحرك العلاقات المغربية الأوروبية ضمن شبكة أوسع من المصالح الاقتصادية والأمنية والهجرة والتجارة.

وبالتالي، فإن أي محاولة لاستثمار أزمة ثنائية بين المغرب وإسبانيا تحتاج إلى تجاوز واقع أكثر تعقيدا، يتمثل في تشابك العلاقات المغربية مع المؤسسات الأوروبية وعدد من الدول الأعضاء.

وقد أظهرت أزمة سبتة أن الخلافات السياسية والأمنية يمكن أن تقع داخل هذه المنظومة دون أن تؤدي تلقائيا إلى انهيارها.

وفي الحالة المغربية الإسبانية ظهر ذلك بوضوح من خلال استمرار الاتصالات والتنسيق خلال الأزمة نفسها، بما يؤكد أن العلاقة تجاوزت مرحلة إمكانية تعطيلها بسهولة عبر أزمة ظرفية.

تكشف أزمة سبتة في المحصلة عن مفارقة واضحة بين حجم الاستثمار الإعلامي الجزائري في الحدث ومحدودية النتائج السياسية التي ترتبت عنه.

فخلال ثلاثة أسابيع فقط تحولت أحداث سبتة إلى محور آلاف المواد والمنشورات والمقاطع التي تناولت المغرب من زوايا متعددة، بينما ظل الموقف الإسباني الرسمي مستقرا في جوهره، واستمرت قنوات التنسيق مع الرباط.

وإذا كانت الأزمة قد وفرت للجزائر فرصة لإعادة تقديم خطابها تجاه المغرب، فإنها لم توفر لها وفق المعطيات الرسمية المتاحة، فرصة لإعادة ترتيب العلاقة بين الرباط ومدريد أو دفع إسبانيا إلى مراجعة موقفها من قضية الصحراء.

وهذا الفارق بين حجم الحضور الإعلامي وحجم التأثير السياسي يعكس إحدى الإشكالات التي تواجه السياسة الجزائرية في إدارة صراعها الإقليمي مع المغرب: القدرة على رفع منسوب التوتر والخطاب، مقابل محدودية القدرة على تحويل ذلك التوتر إلى مكاسب دبلوماسية مستدامة.

وبذلك انتهت أزمة سبتة دون أن تحقق التحول الذي كان يمكن أن يغير قواعد العلاقة المغربية الإسبانية. حافظت مدريد على تعاونها مع الرباط، وبقي موقفها من الصحراء قائما، فيما ظلت الأزمة محكومة أساسا باعتبارات الهجرة وأمن الحدود.

وفي الوقت الذي اتسع فيه الضخ الإعلامي الجزائري حول المغرب، بقيت المعادلة السياسية الأساسية على حالها: أزمة عابرة بين الرباط ومدريد، وشراكة استراتيجية لم تسقطها موجة هجرة، ورهان جزائري لم يجد في أزمة سبتة المدخل الذي كان يبحث عنه لإعادة خلط أوراق ملف الصحراء المغربية.

الاخبار العاجلة