العيون الآن
كشف التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن قضية الصحراء المغربية ، الصادر في فاتح أكتوبر 2026، والمدرج ضمن وثائق مجلس الأمن تحت المرجع S/2026/781، عن تطورات لافتة في مسار العملية السياسية، تعكس انتقال الملف من مرحلة تدبير الجمود إلى مرحلة البحث في ترتيبات عملية لتسوية سياسية محتملة، مع بروز مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها أساسا للنقاش والتفاوض، في إطار القرار الأممي 2797.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، شهد المسار السياسي استئناف اتصالات ومفاوضات مباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، وذلك لأول مرة منذ نحو سبع سنوات، في إطار مسار مشترك تقوده الأمم المتحدة والولايات المتحدة، بما يشكل تطورا مهما في جهود إعادة تحريك العملية السياسية المرتبطة بالنزاع الإقليمي حول الصحراء.
وفي تحول بارز في طبيعة النقاشات، أشار التقرير إلى تقديم المغرب مشروع نظام أساسي للحكم الذاتي، تحت مسمى “Draft Autonomy Statute”، حيث جرى التعامل مع المبادرة المغربية باعتبارها أساسا للمفاوضات، انسجاما مع الإطار الذي حدده قرار مجلس الأمن رقم 2797، دون أن يعني ذلك التوصل إلى اتفاق نهائي أو حسم تفاصيل التسوية المرتقبة.
وفي المقابل، سجل التقرير تقديم جبهة البوليساريو مقترحا يرتبط بخيار الاستفتاء الغير الواقعي والضمانات المرتبطة بمرحلة ما بعده، وذلك بالتزامن مع قبولها التفاوض حول مشروع الحكم الذاتي، وهو ما يعكس استمرار تباين المواقف بشأن طبيعة الحل النهائي، رغم الانخراط في مسار تفاوضي جديد.
ولم تعد المناقشات، بحسب التقرير، مقتصرة على تبادل المبادئ والمواقف السياسية، بل امتدت إلى تفاصيل مؤسساتية وأمنية واقتصادية مرتبطة بإمكانية تنفيذ تسوية انتقالية، شملت بحث إحداث مجلس انتقالي محتمل، وترتيبات تقاسم الموارد، والعفو والمصالحة، والضمانات الأمنية، فضلا عن قضايا نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والأنظمة الانتخابية.
ومن أبرز ما كشف عنه التقرير، وجود عمل مشترك بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة لإعداد مشروع اتفاق إطار للمرحلة الانتقالية، خضع لاحقا لصياغة منقحة، في مؤشر على أن الجهود الدولية انتقلت إلى دراسة هندسة محتملة للتسوية، بما يتجاوز مجرد تسجيل المواقف السياسية للأطراف المعنية.
كما أشار التقرير إلى حضور الضمانات الدولية وآليات تنفيذها ضمن التصورات المطروحة، باعتبارها عناصر أساسية لضمان احترام أي ترتيبات انتقالية محتملة، دون أن يعني ذلك أن طبيعة هذه الضمانات أو تفاصيلها قد حُسمت بشكل نهائي.
ورغم هذا التحول في مسار التفاوض، لم يتخل التقرير عن مبدأ تقرير المصير، إذ أوصى باستكشاف إمكانية إقامة حكم ذاتي حقيقي باعتباره أحد المخارج الأكثر قابلية للتطبيق، مع التأكيد على ضرورة استشارة السكان وتوفير ضمانات دولية، وهو ما يضع المبادرة المغربية في صلب البحث عن صيغة سياسية قابلة للتنفيذ.
وفي سياق متصل، تطرق التقرير إلى مبادرة “Go and See”، التي تروم إتاحة الفرصة أمام سكان مخيمات تندوف للقيام بزيارات فردية وطوعية إلى مدينتي العيون والداخلة، للاطلاع على الأوضاع والآفاق المرتبطة بمقترح الحكم الذاتي. وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة من زاوية بناء الثقة، وتعزيز الحق في الاطلاع على المعطيات المرتبطة بمستقبل المنطقة، بما يتيح للسكان تكوين مواقفهم بناء على المعلومات والمعاينة المباشرة.
وعلى مستوى مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو”، أوضح التقرير أن المراجعة الاستراتيجية لمهامها أخذت بعين الاعتبار تطورات العملية السياسية ونتائج المفاوضات، بما يعكس ارتباط مستقبل البعثة بطبيعة الإطار السياسي الذي قد تفرزه المرحلة الجديدة، بدلا من الاقتصار على تمديد تقني لولايتها.
وفي هذا الإطار، أوصى الأمين العام بتمديد ولاية المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع مراعاة تطورات العملية السياسية، وهو ما يؤكد استمرار دور البعثة الأممية في المرحلة الحالية، دون طرح خيار إنهاء مهامها بشكل فوري.
وفي المقابل، لم يغفل التقرير استمرار التحديات الأمنية والإنسانية المرتبطة بالنزاع، من خلال رصد التوترات والمواجهات منخفضة الحدة، إلى جانب الأوضاع الإنسانية للاجئين، بما يؤكد أن التحول السياسي الجاري لا يلغي ضرورة مواصلة معالجة الجوانب الأمنية والإنسانية للملف.
وبين استئناف المفاوضات المباشرة، واعتماد الحكم الذاتي أساسا للنقاش، والشروع في إعداد اتفاق إطار للمرحلة الانتقالية، تبدو قضية الصحراء المغربية أمام مرحلة سياسية مختلفة عن سابقاتها. فالتقرير، وإن لم يعلن عن اتفاق نهائي أو تسوية محسومة، فإنه يكشف عن انتقال واضح من إدارة حالة الجمود إلى البحث في ترتيبات مؤسساتية وسياسية وأمنية قد تشكل ملامح الحل المستقبلي، في وقت باتت فيه مبادرة الحكم الذاتي تحتل موقعا مركزيا في إطار التفاوض الجديد.











