العيون الآن.
حمزة وتاسو / العيون.
في زمن تتسارع فيه التحولات وتعاد فيه صياغة خرائط الشرعية الإقليمية والدولية، خرجت جبهة “البوليساريو” ببيان جديد من مقرها في نيويورك، محاولة أن تقنع العالم بأنها لا تزال على قيد الحياة السياسية، لكن الحقيقة التي لا تقبل المواربة هي أن هذا الكيان يعيش ما يشبه الغيبوبة السياسية، وأن صراخه المتكرر لا يتعدى كونه صدى باهتا في فراغ أممي لم يعد يصغي له أحد.
البيان الأخير للجبهة الذي زعمت فيه تقديم مقترح الأمين العام للأمم المتحدة بشأن ما تسميه “تقرير المصير”، ليس سوى محاولة لإحياء خطاب تجاوزه الزمن فالعالم اليوم يتعامل مع معادلات جديدة، عنوانها الواقعية السياسية والاستقرار الإقليمي، لا أوهام الانفصال ولا شعارات الماضي البائد، لقد أرادت الجبهة أن تظهر نفسها كطرف فاعل في ملف أصبحت خارجه تماما، فبدت كمن يحاول التلويح بأوراق احترقت منذ زمن بعيد.
من يقرأ البيان يلمس مباشرة ذلك الإفلاس اللغوي والسياسي، إذ امتلأ بالتناقضات والتكرار ومحاولات التبرير، وكأنه كتب لإقناع الذات لا المجتمع الدولي فالجبهة التي فقدت كل سند دبلوماسي حقيقي، ما زالت تصر على التمسك بخطاب جامد تجاوزه التاريخ، غير مدركة أن الواقع في الميدان يكتب اليوم بأياد مغربية، وأن التنمية الشاملة التي تعرفها الأقاليم الجنوبية هي الرد الأقوى على كل دعاوى الانفصال.
إن توقيت صدور البيان لم يكن بريئا، فهو يأتي في ظل استعداد مجلس الأمن لمناقشة تقرير الأمين العام حول قضية الصحراء المغربية، وكأن الجبهة أرادت أن تذكر بوجودها ولو رمزيا، بعد أن أدار لها العالم ظهره، لكن ما لا تدركه “البوليساريو” هو أن الزمن الذي كانت فيه تستعمل كورقة ضغط إقليمية قد انتهى، وأن رهانها على النظام الجزائري لم يعد يجلب لها سوى مزيد من العزلة والانكشاف.
المغرب اليوم لا يفاوض من موقع الدفاع، بل من موقع البناء والسيادة والثقة، فقد اختار أن يجعل من أقاليمه الجنوبية نموذجا للتنمية والازدهار، تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله، فصارت مدن العيون والداخلة شاهدة على مغرب يصنع المستقبل بإرادة سياسية واضحة ورؤية استراتيجية راسخة.
وفي مقابل هذا الزخم التنموي والدبلوماسي، تعيش الجبهة في مخيمات تندوف عزلة خانقة، تختزل فيها القضية إلى خطابات خشبية ومعاناة إنسانية لسكان حرموا من أبسط حقوقهم في الكرامة والحركة والاختيار، فلا أفق سياسي ولا دعم إفريقي، ولا صدى أوروبي، بل مجرد بقايا مشروع فشل في الإقناع والبقاء.
إن الحل الوحيد الذي يقره الواقع والمنطق معا هو المقترح المغربي للحكم الذاتي، باعتباره مبادرة جادة وذات مصداقية، تحظى بإجماع دولي متزايد وتجسد جوهر الحل السياسي الواقعي والدائم، أما من يصر على العيش في الماضي، فليس له إلا العزلة والنسيان.
لقد انتهى زمن المتاجرة بالوهم وآن للجبهة أن تدرك أن العالم لا ينتظر أحدا، فالمغرب ماض في بناء وحدته وتعزيز استقراره، بينما “البوليساريو” تترنح في غرفة الإنعاش السياسي، تحاول عبثا أن تتنفس عبر أنابيب الخطابات القديمة لكن التاريخ لا يرحم الكيانات التي تأخرت عن ركب الحق.











