العيون الآن.
يوسف بوصولة
تستعد الرباط وباريس للدخول في مرحلة جديدة من علاقاتهما الثنائية عبر مشروع معاهدة صداقة يرتقب توقيعها في أفق سنة 2026، في خطوة تتجاوز البعد البروتوكولي إلى تأسيس إطار تعاقدي طويل الأمد يعيد ضبط منطق الشراكة بين البلدين على أسس استراتيجية واضحة. ووفق ما أوردته مجلة “أفريكا إنتلجنس”، فإن هذا المشروع يندرج ضمن تفعيل إطار الشراكة الاستراتيجية الذي أُعلن عنه خلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرباط في أكتوبر 2024.
ذلك الإعلان شكل نقطة تحول في مسار العلاقات المغربية الفرنسية، إذ اقترح ماكرون إرساء إطار استراتيجي جديد ينظم التعاون الثنائي لعقود مقبلة، على أن يوقع في سياق رمزي يستحضر مرور سبعين سنة على اتفاق 6 نونبر 1955. ومن المنتظر أن يتزامن توقيع المعاهدة المرتقبة مع زيارة رسمية للملك محمد السادس إلى باريس، ما سيمنح الحدث بعدا سياسيا ورمزيا يعكس إرادة مشتركة للانتقال من منطق إدارة الشراكة إلى منطق تقنين التحالف.
في هذا السياق أحدث البلدان لجنة مشتركة تضم نحو اثني عشر شخصية بارزة، أوكلت إليها مهمة بلورة تصور استراتيجي لمستقبل العلاقة خلال الثلاثين سنة المقبلة. وتضم اللجنة من الجانب المغربي أسماء ذات ثقل اقتصادي ومؤسساتي، من بينها مصطفى التراب الرئيس المدير العام لمجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، وشكيب بنموسى المندوب السامي للتخطيط والسفير السابق للمغرب في باريس إلى جانب مونية بوستة السفيرة والكاتبة العامة لوزارة الشؤون الخارجية. أما من الجانب الفرنسي فتضم شخصيات سياسية واقتصادية ودبلوماسية بارزة، من بينها جان لويس غيغو وإليزابيث غيغو، ووزير الخارجية الأسبق هوبير فيدرين. ويعكس هذا التشكيل توجها نحو إرساء مقاربة مؤسساتية تستند إلى الخبرة الاستراتيجية والاستشراف بعيد المدى.
ويستحضر هذا المسار نماذج أوروبية سابقة لاسيما معاهدة الإليزيه بين فرنسا وألمانيا سنة 1963، ومعاهدة كويرينال بين فرنسا وإيطاليا سنة 2021، واللتين وفرتا أرضية قانونية ومؤسساتية ضامنة لاستمرارية التعاون وحمايته من تقلبات السياق السياسي الداخلي. وبالمنطق ذاته، يراد للمعاهدة المغربية الفرنسية أن تؤسس لاستقرار مؤطر قانونيا، يضمن انتظام التشاور وتكامل الأولويات الاستراتيجية بين العاصمتين.
ولا يمكن فصل هذا التطور عن التحول الذي عرفته العلاقات الثنائية منذ إعلان باريس سنة 2024 دعمها الواضح لسيادة المغرب على صحرائه، وهو القرار الذي شكل نقطة ارتكاز جديدة في تقييم الرباط لشراكاتها الدولية. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المعاهدة المرتقبة قد تدرج هذا الموقف ضمن إطار مؤسساتي دائم، بما يعزز تموقع المغرب داخل الدوائر الأوروبية والدولية، ويمنح الشراكة بعدا سياسيا أكثر وضوحا.
ومن المرتقب أن تشمل المعاهدة والاتفاقات الموازية لها مجالات التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، مع تعزيز الاستثمارات الفرنسية، بما في ذلك مشاريع محتملة في الأقاليم الجنوبية، في سياق يواكب الاعتراف السياسي باعتراف اقتصادي وعملي. كما ينتظر أن يتعمق التنسيق في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وتدبير الهجرة، وهي قضايا تحتل موقعا مركزيا في أولويات الأمن القومي الفرنسي والأوروبي.
في المحصلة لا يتعلق الأمر بمجرد اتفاق ثنائي جديد، بل بمحاولة لإعادة تعريف العلاقة المغربية الفرنسية ضمن تعاقد استراتيجي طويل الأمد، يستجيب لتحولات البيئة الإقليمية والدولية، ويؤسس لشراكة أكثر وضوحا وتماسكا. وإذا ما تم توقيع المعاهدة في أفق 2026، فإنها قد تشكل محطة مفصلية في مسار العلاقات بين الرباط وباريس، عنوانها الانتقال من شراكة تقليدية إلى تحالف مؤطر قانونيا، قائم على المصالح المتبادلة والرؤية المشتركة للمستقبل











