العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
في تحول لافت في عقيدتها العسكرية قررت الجزائر إرسال وحدات من جيشها إلى النيجر عقب مصادقة غرفتي البرلمان، الأحد 25 أكتوبر 2026 على انتشار عسكري خارج الحدود، في خطوة تبررها السلطات الجزائرية بحماية مصالحها الاقتصادية والطاقية، لكنها تفتح في المقابل تساؤلات أوسع بشأن محاولات استعادة نفوذها في منطقة الساحل، بالتزامن مع تنامي الحضور الدبلوماسي والاقتصادي للمغرب، وتزايد التحركات الإقليمية المرتبطة بالملف الليبي.
أعلنت الرئاسة الجزائرية الاثنين 26 أكتوبر أن الرئيس عبد المجيد تبون قرر إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، بناءً على طلب السلطات النيجرية، بهدف حماية المصالح الاقتصادية والطاقية المشتركة، وذلك بعد حصوله على موافقة البرلمان في جلسات مغلقة.
يمثل القرار انتقالا مهما في المقاربة الأمنية الجزائرية التي ارتبطت لعقود بالتحفظ على التدخل العسكري المباشر خارج الحدود، قبل أن يفتح تعديل دستور 2020 المجال أمام نشر وحدات عسكرية في الخارج، شريطة الحصول على الموافقة البرلمانية المطلوبة.
وبحسب المعطيات الرسمية صادق مجلس الأمة بالإجماع على القرار، فيما وافق المجلس الشعبي الوطني بدوره على الإخطار الرئاسي، ليصبح التدخل العسكري في النيجر مستندا إلى غطاء دستوري، دون أن تكشف السلطات الجزائرية حتى الآن عن العدد النهائي للقوات المزمع نشرها أو طبيعة المهام العملياتية التي ستتولاها.
تأتي هذه الخطوة امتدادا لتحركات عسكرية سابقة شهدتها النيجر خلال غشت الماضي، عندما أرسلت الجزائر طائرات مقاتلة من طراز “سوخوي سو-30” وطائرات نقل وإمداد إلى نيامي، عقب محاولة تمرد استهدفت السلطة العسكرية الحاكمة، في مؤشر على انتقال التنسيق الأمني بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق.
غير أن القراءة السياسية لهذا التحول لا تنفصل عن التحولات الجيوسياسية التي شهدتها منطقة الساحل خلال السنوات الأخيرة، خصوصا بعد تراجع النفوذ الفرنسي، وتصاعد نشاط الجماعات المسلحة، وإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية عقب الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
فالجزائر التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها فاعلا أمنيا محوريا في محيطها الجنوبي، وجدت علاقاتها بدول الساحل أمام اختبارات صعبة، خاصة بعد الأزمة الدبلوماسية التي أعقبت إسقاط طائرة مسيرة مالية قرب الحدود في أبريل 2025، وما تلاها من توتر مع دول تحالف الساحل.
وفي هذا السياق يكتسب التقارب العسكري مع نيامي بعدا يتجاوز حماية المنشآت النفطية وحدها، إذ يوفر للجزائر فرصة لإعادة بناء موقعها الأمني في منطقة أصبحت مسرحا لتنافس متزايد بين قوى إقليمية ودولية.
تبرز هنا المفارقة مع الحضور المغربي في النيجر الذي تعزز خلال أبريل الماضي بزيارة وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة إلى نيامي، حيث استقبله رئيس الدولة عبد الرحمن تياني، وترأس مع نظيره النيجري الدورة الخامسة للجنة المشتركة للتعاون بين البلدين.
وقد أسفرت هذه الزيارة عن توقيع 14 اتفاقية ثنائية، شملت مجالات تعاون متعددة، إلى جانب تجديد النيجر التزامها بالمبادرة الملكية الرامية إلى تمكين بلدان الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي.
وتطرح هذه المبادرة مقاربة مغربية تقوم على فك العزلة الجغرافية عن دول الساحل عبر البنيات التحتية والممرات التجارية والاندماج الاقتصادي، بما يمنح الرباط حضورا استراتيجيا يقوم على الاستثمار والشراكات التنموية، بدلا من الانخراط العسكري المباشر.
وبينما يسعى المغرب إلى توسيع شبكة مصالحه الاقتصادية والدبلوماسية في المنطقة، تختار الجزائر تعزيز حضورها العسكري والأمني، وهو اختلاف في أدوات التأثير يفتح النقاش بشأن طبيعة المنافسة الإقليمية ومستقبل التوازنات في الساحل.
ترتط الجزائر هذه الخطوة بما وصفته بالمصالح في النيجر، من بينها استثمارات شركة “سوناطراك” ومشاريع التنقيب النفطي وخط أنبوب الغاز العابر للصحراء، فضلا عن المخاطر الأمنية المرتبطة بالجماعات المسلحة وشبكات التهريب.
لكن وجود هذه المصالح لا يلغي البعد الجيوسياسي للتدخل، خصوصا أن الانتشار العسكري المحتمل في شمال النيجر قد يمنح الجزائر موقعا متقدما لمراقبة التحركات عبر المثلث الحدودي مع ليبيا، في منطقة تشهد توسعا لنفوذ القوات التابعة للمشير خليفة حفتر. كما يربط خبراء هذا التحرك بمعاندة الجزائر للمغرب اثبات حضورها وقوة تأثيرها في المنطقة.
يكتسب هذا المعطى أهمية إضافية على ضوء التقارب الأخير بين المغرب وقيادات الشرق الليبي، بعدما استقبلت الرباط، خلال أكتوبر الجاري، الفريق أول خالد حفتر رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، في زيارة شملت مباحثات مع مسؤولين عسكريين مغاربة بشأن التعاون وتبادل الخبرات.
كما استقبل وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، يوم 17 أكتوبر بلقاسم حفتر المدير العام لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، في إطار بحث فرص التعاون في مجالات إعادة الإعمار والتنمية والبنيات التحتية.
تتزامن هذه التحركات مع تنامي الدور الإماراتي في الملف الليبي وعلاقات أبوظبي بالقوى الفاعلة في شرق البلاد، ما يجعل منطقة الحدود بين ليبيا والنيجر إحدى الساحات الحساسة لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي.
في المقابل تشير قراءة نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية إلى أن الجزائر تسعى أيضا إلى مواجهة تمدد نفوذ القوات التابعة لحفتر باتجاه جنوب ليبيا وحدود النيجر، مع تداول احتمال تمركز قوات جزائرية في قاعدة ماداما شمالي النيجر، دون إعلان رسمي نهائي بشأن هذا الموقع.
تفتح هذه المعطيات تساؤلا بشأن الكلفة الاستراتيجية التي قد تتحملها الجزائر نتيجة الانتقال من التأثير الدبلوماسي والأمني غير المباشر إلى نشر قوات عسكرية خارج أراضيها.
فالتجارب العسكرية الأجنبية في الساحل أظهرت صعوبة الفصل بين مهمة محدودة لحماية منشآت أو مواقع استراتيجية وبين احتمال التورط في مواجهات أمنية أوسع، خصوصا في بيئة تتداخل فيها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والصراعات السياسية الداخلية.
كما أن تأمين المصالح الطاقية قد يفرض انتشارا طويل الأمد، وما يرتبط به من نفقات لوجستية والتزامات أمنية واحتمالات تعرض القوات للهجمات، وهي مخاطر لا يمكن تقييم حجمها قبل اتضاح طبيعة المهمة وقواعد الاشتباك والجدول الزمني للانتشار.
ويطرح القرار الجزائري بذلك اختبارا مزدوجا: مدى قدرة المؤسسة العسكرية على تنفيذ مهمة خارجية معقدة، ومدى نجاح الدبلوماسية الجزائرية في تحويل هذا الحضور العسكري إلى نفوذ سياسي مستدام دون الانخراط في صراعات تستنزف موارد البلاد.
وفي المقابل يواصل المغرب تطوير علاقاته مع النيجر ودول الساحل على أساس مشاريع الربط الأطلسي والتعاون الاقتصادي والاستثمار، مع الحفاظ على حضوره الدبلوماسي في الملف الليبي، وهي مسارات تمنح الرباط أدوات تأثير مختلفة عن المقاربة العسكرية المباشرة.
وبينما تقدم الجزائر تدخلها المرتقب باعتباره ضرورة لحماية مصالحها الحيوية، تكشف التحولات الجارية أن التنافس على النفوذ في الساحل لم يعد محصوراً في البيانات الدبلوماسية والتحالفات التقليدية، بل امتد إلى تحديد طبيعة الحضور الميداني لكل دولة.
وهنا يبرز السؤال الذي سيحكم تقييم القرار الجزائري خلال المرحلة المقبلة: هل ينجح الانتشار العسكري في حماية مصالح الجزائر واستعادة موقعها الأمني في الساحل، أم يفتح أمامها التزامات عسكرية مكلفة في منطقة أثبتت تجارب السنوات الماضية صعوبة التحكم في توازناتها؟











