اكتوبر الحسم: تحالفات المغرب تضيق هامش مناورة الجزائر والبوليساريو

محرر مقالات25 أكتوبر 2026
اكتوبر الحسم: تحالفات المغرب تضيق هامش مناورة الجزائر والبوليساريو

العيون الآن 

 

يوسف بوصولة – العيون

 

تدخل قضية الصحراء المغربية أسبوعا حاسما داخل مجلس الأمن الدولي، وسط تحولات دبلوماسية تعزز موقع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وتضع الجزائر وجبهة البوليساريو أمام معادلة أكثر تعقيدا، بعدما كشفت المسودة الأمريكية الجديدة عن توجه يتجاوز تمديد ولاية بعثة “المينورسو” إلى إعادة صياغة مهامها وتحديد إطار أكثر وضوحا للمفاوضات المقبلة.

 

تكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة بالنظر إلى تركيبة مجلس الأمن الحالي، الذي يضم دولا أعلنت دعمها الصريح للسيادة المغربية على الصحراء، وأخرى تؤيد مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للتسوية، فضلا عن أعضاء سبق أن صوتوا لصالح القرار رقم 2797 الذي اعتمد في 31 أكتوبر 2025 وجعل المقترح المغربي أساسا للمفاوضات السياسية.

 

وبحسب مصدر أممي تحدث في سياق المشاورات الجارية فإن المشروع الأمريكي يمهد لتعزيز المرجعية التي أرساها القرار السابق، مع توجيه النقاش نحو تفاصيل الحكم الذاتي الحقيقي، بدلا من إعادة فتح مسارات تفاوضية تعذر تنفيذها خلال العقود الماضية.

 

وأكد المصدر أن مراجعة مهام المينورسو لم تكن تطورا مفاجئا داخل الأمم المتحدة بل شكلت موضوع نقاش وتحضير منذ أشهر، معتبرا أن إعادة هيكلة البعثة أصبحت اتجاها يصعب تجاهله، وإن ظل الحسم في صيغتها الجديدة من اختصاص مجلس الأمن.

 

تستند القراءة الدبلوماسية لموازين المجلس إلى تقارب مواقف ثلاث دول دائمة العضوية، هي الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة بشأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

 

فالولايات المتحدة التي تتولى صياغة مشروع القرار بصفتها حاملة القلم، اعترفت في دجنبر 2020 بسيادة المغرب على الصحراء، وحافظت على هذا الموقف خلال السنوات اللاحقة، قبل أن تعزز انخراطها المباشر في جهود الوساطة الأممية والمحادثات التي احتضنتها واشنطن ومدريد خلال سنة 2026.

 

أما فرنسا فقد انتقلت إلى موقف أكثر وضوحا منذ رسالة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس في يوليوز 2024، التي أكد فيها أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان ضمن السيادة المغربية، وأن مبادرة الحكم الذاتي تشكل الأساس الوحيد للتوصل إلى تسوية سياسية.

 

وتعزز هذا التقارب خلال ماي 2026، حين أعلنت الرباط وباريس التحضير لمعاهدة استراتيجية جديدة لتطوير العلاقات الثنائية، تشمل مجالات التعاون الأمني والدفاعي والاقتصادي.

 

بدورها أعلنت المملكة المتحدة في يونيو 2025 دعمها للمبادرة المغربية باعتبارها الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وواقعية للتوصل إلى تسوية دائمة، في تحول تزامن مع توسيع التعاون الثنائي في الاستثمار والأمن والبنيات التحتية.

 

يمنح تقارب هذه المواقف الثلاثة المسودة الأمريكية دعما سياسيا مهما داخل المجلس وإن كانت لندن تتمسك في الوقت نفسه، بأن تكون التسوية النهائية متفاوضا عليها ومتوافقة مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

 

في المقابل حافظت روسيا والصين على مقاربتهما الأكثر تحفظا بعدما امتنعتا عن التصويت على القرار 2797 دون استخدام حق النقض. وهو ما يجعل موقفي موسكو وبكين من الصياغة الجديدة، خصوصا ما يتعلق بحصرية الحكم الذاتي وإعادة هيكلة المينورسو، عنصرين أساسيين في المشاورات المقبلة.

 

على مستوى الدول الإفريقية غير الدائمة العضوية، يبرز حضور جمهورية الكونغو الديمقراطية وليبيريا والصومال، وهي دول تجمعها بالمغرب علاقات سياسية ودبلوماسية تعززت بمواقف واضحة بشأن قضية الصحراء.

 

فجمهورية الكونغو الديمقراطية افتتحت قنصلية عامة بمدينة الداخلة في 19 دجنبر 2020، في خطوة جسدت دعمها للوحدة الترابية للمملكة، ورسخت شراكة تشمل التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

 

أما ليبيريا فقد افتتحت قنصليتها بالداخلة في مارس 2020، وجددت دعمها الصريح للسيادة المغربية ولمبادرة الحكم الذاتي خلال انعقاد الدورة الثالثة للجنة المشتركة للتعاون بالعيون في يناير 2025 التي شهدت أيضا توقيع اتفاقيات جديدة لتوسيع التعاون الثنائي.

 

وبالنسبة إلى الصومال فقد صوتت لصالح القرار 2797، ثم جددت في نونبر 2025 خلال مباحثات وزيري خارجية البلدين بالرباط، دعمها للوحدة الترابية للمغرب وترحيبها بالقرار الأممي، مع التأكيد على أهمية احترام سيادة الدول وتعزيز التعاون الإفريقي.

 

توفر هذه المواقف مؤشرات ملموسة على التقارب بين الرباط وعواصم إفريقية ممثلة داخل المجلس، دون أن يعني ذلك بالضرورة تطابق تصويتها على كل مقتضى جديد قد تتضمنه المسودة الأمريكية.

 

يحظى المغرب أيضا بدعم واضح من البحرين، العضو غير الدائم في المجلس خلال الفترة 2026–2027، التي افتتحت قنصلية عامة بالعيون في 14 دجنبر 2020 تأكيدا لموقفها الداعم للوحدة الترابية للمملكة.

 

ويمثل هذا الموقف امتدادا للعلاقات الوثيقة بين الرباط والمنامة، خصوصا في ما يتعلق بالتنسيق السياسي والدبلوماسي والقضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.

 

في المقابل تبرز باكستان باعتبارها أحد الأعضاء الذين يحتفظون بتحفظات بشأن بعض الصياغات الأممية المتعلقة بالصحراء. فقد امتنعت إسلام آباد عن التصويت على القرار 2797، موضحة أن موقفها يستند إلى المرجعيات السابقة لمجلس الأمن ومبدأ تقرير المصير.

 

لا يعكس هذا الامتناع قطيعة مع المغرب الذي تجمعه بباكستان علاقات سياسية وتعاون في مجالات متعددة، لكنه يكشف أن الروابط الثنائية لا تكفي وحدها لضمان التأييد لمشروع قرار يتضمن تعديلات جوهرية على الإطار التفاوضي.

 

وتضم الكتلة الأوروبية غير الدائمة العضوية كلا من الدنمارك واليونان ولاتفيا، في سياق تعزز فيه الموقف الأوروبي المشترك عقب اعتماد القرار 2797.

 

فالدنمارك أعلنت في شتنبر 2024 اعتبار المبادرة المغربية أساسا جيدا للتوصل إلى حل متفق عليه، قبل أن تصوت لصالح القرار الأممي الصادر في أكتوبر 2025.

 

أما اليونان فقد صوتت بدورها لصالح القرار نفسه وجدد وزير خارجيتها خلال استقباله ناصر بوريطة بأثينا في شتنبر 2026، دعم بلاده للمفاوضات القائمة على مبادرة الحكم الذاتي، واعتبارها مساهمة جدية وذات مصداقية يمكن أن تشكل أساساً لتسوية قابلة للتطبيق.

 

تكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية بالنظر إلى تولي اليونان رئاسة مجلس الأمن خلال أكتوبر الجاري، بما يمنحها دورا تنظيميا ودبلوماسيا في إدارة المشاورات المرتبطة بالقرار المرتقب.

 

أما لاتفيا التي تشارك لأول مرة في عضوية المجلس فتحافظ على علاقات جيدة مع المغرب والجزائر، ولا تعترف بالجمهورية التي أعلنتها البوليساريو، لكنها لم تعلن اعترافا بالسيادة المغربية على الصحراء.

 

وفي هذا السياق يستند موقفها إلى دعم العملية السياسية الأممية والمرجعيات المتفق عليها أوروبيا، دون أن يسمح ذلك باعتبار تصويتها على جميع المقتضيات الأمريكية مضموناً.

 

وكان الاتحاد الأوروبي قد رحب خلال مجلس الشراكة مع المغرب في يناير 2026، باعتماد القرار 2797، وأكد دعمه لمفاوضات تستند إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع الترحيب باستعداد الرباط لتوضيح ترتيبات تطبيقها تحت السيادة المغربية.

 

على مستوى أمريكا اللاتينية تحمل عضوية بنما وكولومبيا دلالات خاصة، بالنظر إلى التحولات التي عرفتها مواقف البلدين خلال السنتين الأخيرتين.

 

فبنما علقت علاقاتها الدبلوماسية مع الجمهورية التي أعلنتها البوليساريو في نونبر 2024، قبل أن تعلن في شتنبر 2026 خلال لقاء جمع وزيري خارجية البلدين بنيويورك، دعمها للسيادة المغربية على كامل التراب الوطني، واعتبار مبادرة الحكم الذاتي الأساس الجدي وذي المصداقية للتسوية السياسية.

 

أما كولومبيا فقد شهدت تحولا بعد وصول الرئيس أبيلاردو دي لا إسبريلا إلى السلطة في غشت 2026، عقب مرحلة كان فيها الرئيس السابق غوستافو بيترو يدعم إعادة العلاقات مع البوليساريو.

 

وفي 10 غشت الماضي أعلنت الخارجية الكولومبية تجميد علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع الجمهورية التي أعلنتها الجبهة، وأكدت اعتراف بوغوتا بالسيادة المغربية على الصحراء، مع وقف دعم البوليساريو في المحافل الدولية بما فيها مجلس الأمن.

 

يكتسب هذا التحول أهمية مباشرة لأن كولومبيا تشغل مقعدا غير دائم في المجلس، ما يجعل موقفها الجديد عنصرا مؤثرا في قراءة التوازنات الحالية مقارنة بتشكيلة السنوات السابقة.

 

وتأتي هذه التوازنات بالتزامن مع تصعيد جبهة البوليساريو، التي هددت بالانسحاب من العملية السياسية إذا اعتمد مجلس الأمن المسودة الأمريكية دون إدخال تعديلات جوهرية عليها.

 

وفي قراءة لهذه الخطوة اعتبر المصدر الأممي أن التهديد يحمل أبعادا مرتبطة بالوضع الداخلي في مخيمات تندوف، ويرمي وفق تقديره إلى احتواء ردود الفعل إزاء التحولات التي يعرفها المسار الأممي.

 

وأكد المصدر أن تنفيذ التهديد يبدو مستبعدا في ظل التداعيات السياسية التي قد تترتب على الجبهة، معتبرا أن مغادرة المفاوضات ستضعف قدرتها على التأثير في ترتيبات الحل، وقد تفتح نقاشا أوسع بشأن وضعها داخل العملية السياسية.

 

غير أن الانسحاب، في حال وقوعه لا يؤدي تلقائيا إلى فقدان الصفة القانونية للجبهة أو تصنيفها تنظيما مسلح غير شرعي؛ لكنه قد يقلص حضورها في المفاوضات ويزيد صعوبة الدفاع عن مطالبها ضمن الإطار الذي يشرف عليه مجلس الأمن.

 

تبرز هنا المفارقة بين محاولة البوليساريو الضغط لتعديل المشروع وبين احتمال فقدانها إحدى الأدوات الأساسية للتأثير في مضمونه، في وقت لا تتوقف فيه صلاحيات مجلس الأمن على استمرار مشاركة جميع الأطراف في المحادثات.

 

بذالك يدخل المغرب محطة أكتوبر مستندا إلى تطورات دبلوماسية ملموسة، فيما سيكون النص النهائي للقرار، وليس المسودة الأولية أو التصريحات السياسية المحيطة بها، المرجع الحاسم لتحديد حدود التحول الأممي المقبل.

الاخبار العاجلة