العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
كشفت تسجيلات صوتية متداولة منسوبة إلى أحد قياديي جبهة البوليساريو عن خلافات عميقة داخل هياكلها القيادية، تتجاوز الصراع على المناصب إلى التشكيك في قدرة التنظيم على تدبير المرحلة السياسية المقبلة، في وقت تواجه فيه الجبهة ضغوطا دبلوماسية متزايدة على خلفية التحولات التي يشهدها ملف الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن الدولي.
تحمل التسجيلات انتقادات مباشرة لطريقة تدبير القيادة والصراعات المحيطة باختيار المسؤولين، وسط حديث عن غياب التوافق بشأن الشخصيات القادرة على تحمل المسؤولية في الظروف الحالية، وما يرافق ذلك من خلافات داخل أجهزة التنظيم حول توزيع السلطة والتمثيل السياسي والعسكري.
وبحسب المقتطفات المتداولة، فإن المتحدث لا يقدم الخلافات باعتبارها مجرد تباينات عادية بين أعضاء التنظيم، بل يطرح إشكالية أكثر عمقا تتعلق بأزمة الكفاءات القيادية، وصعوبة العثور على شخصيات قادرة على قيادة الجبهة وتدبير شؤونها في المراحل الصعبة.
يستحضر التسجيل في هذا السياق ظروف إسناد قيادة الجبهة إلى إبراهيم غالي، وما صاحبها من نقاشات داخل الأمانة العامة بشأن التوافق على المسؤوليات في صورة تعكس، وفق مضمون الحديث حجم التباعد بين الطموحات الشخصية ومتطلبات القيادة الجماعية.
وتشير تقارير إعلامية نشرت خلال الأيام الأخيرة إلى أن تسجيلات مماثلة نسبت إلى البشير مصطفى السيد، أحد أبرز وجوه البوليساريو وشقيق مؤسسها تضمنت انتقادات لإبراهيم غالي وللحصيلة السياسية والعسكرية والدبلوماسية للجبهة، في سياق تصاعد الخلافات بشأن مستقبل قيادتها.
ولا تتوقف خطورة المضامين المتداولة عند التشكيك في قدرة القيادة الحالية على مواجهة التحديات، بل تمتد إلى الحديث عن ممارسات داخل التنظيم تتعلق باستغلال مواقع المسؤولية لتحقيق مصالح شخصية، والإشارة إلى مسؤولين سابقين غادروا نحو دول أجنبية بعد تقلدهم مناصب قيادية.
تظل هذه الاتهامات بحاجة إلى توثيق مستقل وتحديد الوقائع والأشخاص المعنيين بها، غير أن طرحها في خطاب منسوب إلى مسؤول من داخل الجبهة يفتح نقاشا بشأن الشفافية والمحاسبة وطبيعة الرقابة على مراكز القرار.
وتكتسب هذه التسجيلات دلالات إضافية بالنظر إلى الصراع الذي أحاط بالتحضير للمؤتمر السابع عشر للبوليساريو، خصوصا بعد إعلان تشكيل لجنته التحضيرية في شتنبر الماضي، وسط غياب شخصيات قيادية بارزة، من بينها البشير مصطفى السيد وعبد القادر طالب عمر، اللذان يرد اسماهما ضمن المنافسين السياسيين لإبراهيم غالي.
كما سبقت هذه التطورات دعوات داخل التنظيم إلى عقد مؤتمر استثنائي ومراجعة أساليب القيادة، إلى جانب انتقادات لتأجيل الاستحقاقات التنظيمية، وهي مؤشرات تعزز فرضية أن الخلافات لم تعد تقتصر على دوائر ضيقة، بل أصبحت جزءا من نقاش أوسع بشأن مستقبل الجبهة.
واللافت في توقيت هذه التسريبات أنها تتزامن مع مرحلة مفصلية في المسار الأممي لقضية الصحراء المغربية، بعدما طرحت الولايات المتحدة مشروع قرار جديدا أمام مجلس الأمن، يتضمن مقترحات لتعزيز موقع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في المفاوضات وإعادة النظر في مهام بعثة المينورسو.
وفي الوقت الذي تحتاج فيه الجبهة إلى موقف سياسي واضح وقدرة تفاوضية منسجمة للتعامل مع هذه التطورات، تعيد التسجيلات طرح سؤال يتعلق بمدى تماسك قيادتها، وقدرتها على تجاوز صراعاتها الداخلية والانخراط في نقاش جدي بشأن مستقبل التسوية.
تبدو المفارقة أكثر وضوحا بين الخطاب الرسمي للبوليساريو، الذي يقدم صورة عن وحدة القرار واستمرار التعبئة، وبين مضمون الانتقادات المتداولة داخل صفوفها، التي تثير إشكالات تتعلق بالقيادة والمحاسبة وتوزيع المسؤوليات.
تنعكس أهمية هذه الخلافات أيضا على سكان مخيمات تندوف، الذين ترتبط أوضاعهم الإنسانية والاجتماعية بمستقبل النزاع وبالخيارات السياسية التي تتبناها قيادة الجبهة. فاستمرار الصراع الداخلي حول السلطة، دون نقاش واضح بشأن مستقبل السكان واحتياجاتهم، يطرح تساؤلات جدية حول موقع مصالحهم في أولويات التنظيم.
وتزداد هذه التساؤلات إلحاحا مع تنامي النقاش الأممي بشأن تسجيل سكان المخيمات بصورة فردية، وإتاحة الحلول الدائمة المعتمدة دوليا، بما يشمل العودة الطوعية أو الاندماج في البلد المضيف أو إعادة التوطين في بلد ثالث، وفق الضمانات والإجراءات اللازمة لكل خيار.
وفي هذا السياق لا تبدو أزمة البوليساريو، كما تعكسها التسجيلات المنسوبة إلى قيادييها مقتصرة على المنافسة حول من يتولى موقع القيادة، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر حساسية: ما المشروع السياسي والإنساني الذي يمكن أن تقدمه الجبهة لسكان المخيمات في مواجهة التحولات الجارية؟
وبين التهديد بالانسحاب من العملية السياسية الأممية وتصاعد الانتقادات داخل هياكل التنظيم، تكشف التطورات الأخيرة عن صعوبة الفصل بين أزمة القيادة وأزمة الخيارات السياسية. فكلما ازدادت الضغوط الخارجية، برزت بصورة أوضح التناقضات الداخلية المرتبطة بتدبير السلطة والمسؤولية عن الحصيلة.
وهكذا تضع التسريبات المتداولة قيادة البوليساريو أمام اختبار مزدوج: تقديم توضيحات بشأن الاتهامات والخلافات التي ظهرت في الخطاب المنسوب إلى أحد مسؤوليها، وإثبات قدرتها على التعامل مع التحولات الأممية بعيدا عن صراعات المواقع والمصالح الشخصية، في وقت يظل فيه سكان مخيمات تندوف الطرف الأكثر ارتباطا بالنتائج العملية لهذه الخيارات.











