العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
اعتبر العباس الوردي أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط والمدير العام للمجلة الإفريقية للسياسات العامة أن الخطاب الذي وجهه الملك محمد السادس نصره الله اليوم الجمعة إلى أعضاء مجلسي البرلمان بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة، حمل رؤية استراتيجية للمرحلة المقبلة، تجمع بين تثمين المكتسبات الوطنية وتعزيز السيادة الاقتصادية، وتسريع التنمية الترابية، وإعادة تحديد أولويات السياسات العمومية، إلى جانب ترسيخ موقع المغرب في علاقاته مع شركائه الدوليين.
أوضح الوردي في قراءة لمضامين الخطاب الملكي أن جلالة الملك استحضر في مستهله التراكمات التي حققتها المملكة في مختلف المجالات الاقتصادية والتنموية والسياسية، وربطها بقيمة الاعتزاز بالانتماء الوطني، باعتبارها ركيزة لتعزيز الثقة في قدرات المغرب ومواصلة مسار الإصلاح والتحديث.
كما توقف الأستاذ الجامعي عند تأكيد الملك محمد السادس أن الولاية التشريعية والحكومية الجديدة ينبغي أن تشكل منعطفا حقيقيا في مسار ترسيخ مكانة المغرب قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، معتبرا أن هذا التوجه يضع المؤسسات المنتخبة والحكومة المقبلة أمام مسؤولية تحويل الطموحات التنموية إلى سياسات عمومية ذات أثر ملموس.
وفي الشق الاقتصادي أبرز الوردي أن الخطاب الملكي رسم ملامح توجه استراتيجي يقوم على تعزيز قدرات المملكة في القطاعات الحيوية، وتحصين سيادتها في مواجهة التحولات الجيو اقتصادية الدولية، من خلال تطوير الأمن المائي والطاقي والغذائي، ودعم الإقلاع الصناعي والانخراط في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن هذه الأولويات تعكس توجها نحو بناء قدرات وطنية أكثر استقلالية وتنافسية، بما يواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، ويعزز قدرة المغرب على تأمين حاجياته الأساسية وتطوير موقعه ضمن سلاسل الإنتاج والاستثمار الدولية.
كما توقف عند المكانة التي خصصها الخطاب للقطاع الخاص الوطني، من خلال الدعوة إلى الارتقاء بدوره في الاستثمار والابتكار والتصدير وخلق فرص الشغل، باعتباره شريكا أساسيا في تحقيق التحول التنموي المنشود.
وفي السياق الاجتماعي أكد الوردي أن الدعوة الملكية إلى وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية تشكل أحد المرتكزات الأساسية للمرحلة المقبلة، بالنظر إلى ارتباطها بتحديات التشغيل والتأهيل والإدماج الاقتصادي.
وأوضح أن هذا التوجه يستدعي تطوير أداء المؤسسات العمومية وإعادة توجيه البرامج الحكومية بما يستجيب لانتظارات الشباب، ويعزز تكافؤ الفرص وقدرتهم على الاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، انسجاما مع التأكيد الملكي على أهمية التعليم والتكوين والارتقاء الاجتماعي.
وانتقالا إلى البعد الترابي اعتبر أستاذ القانون العام أن الخطاب حمل توجيهات واضحة بشأن ضرورة الانتقال من التصورات النظرية للتنمية إلى العمل الميداني، انطلاقا من خصوصيات كل منطقة وحاجيات سكانها، بما يساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية وتحسين جودة الخدمات العمومية.
وسجل أن هذا التوجه يرتبط ارتباطا مباشرا بتفعيل ورش الجهوية المتقدمة وتسريع تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري لسنة 2018، الذي يشكل، بحسب قراءته، إحدى الآليات الأساسية لتقريب القرار الإداري والتنموي من المجال الترابي.
وفي هذا الإطار، أبرز الوردي أهمية الدعوة الملكية إلى تجاوز الاختلالات التي تعرقل نقل الاختصاصات والموارد البشرية والمالية إلى الجهات والأقاليم، معتبرا أن التفعيل الفعلي للاتمركز الإداري من شأنه تعزيز قدرة المؤسسات الترابية على اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع والاستجابة بصورة أكثر نجاعة لحاجيات المواطنين.
وتنسجم هذه القراءة مع تشديد الملك محمد السادس في خطابه على أنه لم يعد مقبولا استمرار التأخير أو التماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، مع ضرورة توضيح اختصاصات الجهات وتعزيز مواردها وإرساء آليات للتنسيق والتعاقد بينها وبين الدولة.
أما على المستوى الدولي فأبرز الوردي أن الخطاب أكد المكانة التي راكمتها المملكة باعتبارها شريكا مسؤولا وموثوقا، يقوم تعاونه الخارجي على الثقة المتبادلة واحترام الالتزامات، في سياق دولي يشهد تحولات وتحديات متزايدة.
وتوقف خصوصا عند الموقف الملكي من ملف الهجرة والعلاقات مع الشركاء الأوروبيين، ولا سيما إسبانيا، مشيرا إلى أن المغرب أكد امتلاكه رؤية سيادية واضحة في تدبير هذا الملف، تقوم على التعاون المسؤول ورفض الضغوط ومحاولات توظيف قضايا الهجرة في العلاقات الثنائية.
وفي هذا السياق أشار إلى أن إعلان الملك محمد السادس اعتزام المغرب تقديم وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية جديدة لشركائه يعكس توجها نحو إعادة تأطير التعاون في مجال الهجرة ضمن مقاربة أشمل، تربط بين التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.
يأتي هذا التوجه بعدما سجل الخطاب الملكي أن النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة أصبح متجاوزا، مع الإشارة إلى التحديات القانونية والقضائية التي تواجه التعاون مع إسبانيا، خصوصا في ما يتعلق بترحيل القاصرين وبعض الأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وما يترتب عن ذلك من إشكالات مرتبطة بالشبكات الإجرامية.
وفي ختام قراءته شدد العباس الوردي على أهمية الرسالة التي وجهها الملك محمد السادس إلى أعضاء البرلمان بشأن طبيعة المسؤولية التمثيلية، باعتبار الانتداب البرلماني التزاما سياسيا وتعاقدا أخلاقيا مع المواطنين، وليس مجرد ممارسة لاختصاصات دستورية وتشريعية.
واعتبر أن هذا التذكير يضع ممثلي الأمة أمام مسؤولية الاضطلاع بأدوارهم التشريعية والرقابية والمؤسساتية، بما ينسجم مع انتظارات المواطنين ومتطلبات المرحلة الجديدة.
وتبرز من خلال هذه القراءة مجموعة من الأولويات المترابطة التي حملها الخطاب الملكي السامي تبدأ بتعزيز الثقة في المكتسبات الوطنية، وتمر بتحصين السيادة الاقتصادية والتكنولوجية، وإعطاء الأولوية للشباب والتنمية الترابية، وصولا إلى إعادة صياغة بعض أوجه التعاون الدولي وترسيخ المسؤولية السياسية والأخلاقية للمؤسسات المنتخبة.
وهي توجهات تجعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة أمام رهان الانتقال من تحديد الأهداف الاستراتيجية إلى تفعيلها ميدانيا، عبر سياسات عمومية مندمجة، ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار، وآليات تضمن وصول أثر التنمية إلى مختلف الجهات والفئات الاجتماعية.
