ما بين سطور تقرير غوتيريش.. هل انتقل ملف الصحراء من البحث عن الحل إلى هندسة الحكم الذاتي؟

محرر مقالات6 octobre 2026

العيون الآن 

يوسف بوصولة – العيون

أعادت الصيغة المسربة من تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حول الصحراء المغربية النقاش بشأن المرحلة التي بلغتها العملية السياسية، بعدما أثارت الإشارات الواردة فيها إلى الاستفتاء والمجلس الانتقالي والضمانات الدولية والترتيبات الأمنية تأويلات متباينة حول طبيعة ما يجري بحثه بين الأطراف.

لكن قراءة هذه العناصر منفردة قد تقود إلى استنتاجات مختلفة عن الصورة التي يقدمها التقرير في مجمله. فالجديد لا يبدو مرتبطا بعودة المسار إلى نقطة الصفر أو طرح خيارات منفصلة عن الحكم الذاتي، بقدر ما يرتبط بانتقال النقاش وفق مضامين المسودة، نحو تفاصيل أكثر دقة تتعلق بشكل التسوية ومؤسساتها وضماناتها وكيفية تنفيذها، في سياق أرسى فيه القرار 2797 مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمفاوضات.

يقول إبراهيم بلالي اسويح عضو المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية، إن التقرير ينبغي أن يقرأ سياسيا باعتباره يقدم مؤشرات مبكرة على النقاش الذي سيسبق قرار مجلس الأمن المقبل خصوصا من خلال طريقة صياغته، والقضايا التي منحها الأولوية، وكيفية توصيفه للعملية السياسية والوضع الميداني ومستقبل بعثة المينورسو.

وأوضح اسويح أن التقرير لم يخرج في مجمله عن المسار الذي رسمه القرار 2797، لافتا إلى أن إحدى أهم إشاراته تتمثل في تثبيت الحديث عن مفاوضات تقوم على أساس مقترح المغرب للحكم الذاتي، ضمن الإطار الذي حدده مجلس الأمن.

غير أن اللافت أكثر يظهر عند الانتقال من المرجعية السياسية للمفاوضات إلى مضمون ما يجري بحثه. فالمسودة تتحدث عن مشروع اتفاق إطاري يمكن أن يشكل أساساً للتفاوض حول نموذج مفصل للحكم الذاتي، إلى جانب قضايا ترتبط بالمجلس الانتقالي، وضمانات التنفيذ، وتقاسم الموارد والمصالحة، والترتيبات الأمنية والنظم الانتخابية.

وهذه ليست عناوين مرتبطة فقط بالسؤال التقليدي حول استئناف المفاوضات، وإنما ملفات ترتبط عمليا بهندسة أي تسوية محتملة وما يمكن أن يلي الاتفاق عليها. وهو ما دفع اسويح إلى اعتبار أن النقاش يتحرك نحو تفاصيل التسوية، وليس فقط المبادئ العامة للحل.

أكثر الكلمات التي أثارت التأويل في المسودة كانت “الاستفتاء”.

لكن العودة إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي المقدمة سنة 2007 تكشف أن وجود المصطلح في حد ذاته ليس جديدا وأنه لا يعني بالضرورة العودة إلى تصور استفتاء الاختيار بين الاستقلال أو الاندماج.

فالفقرة 27 من المبادرة المغربية تنص أصلا على أن نظام الحكم الذاتي بعد التفاوض عليه، سيعرض على السكان المعنيين في استفتاء حر، باعتباره استشارة ديمقراطية وممارسة لحق تقرير المصير.

وهنا يوجد فارق جوهري في القراءة: الاستفتاء في هذا التصور يأتي للمصادقة على نظام الحكم الذاتي المتفاوض بشأنه، وليس لإعادة فتح الخيارات السياسية من نقطة الصفر.

وبالتالي فإن مجرد ورود كلمة “استفتاء” في النقاشات لا يكفي لفهم مدلولها دون تحديد السؤال الذي سيطرح فيه، والإطار السياسي الذي ستتم داخله العملية.

الأمر نفسه ينطبق على الحديث عن “مجلس انتقالي”. فالعبارة قد توحي إذا عزلت عن سياقها، بوجود تصور أممي جديد لإدارة الإقليم خلال مرحلة انتقالية.

لكن فكرة المجلس موجودة أيضا داخل المبادرة المغربية منذ 2007. وتنص الفقرة 32 منها على تشكيل مجلس انتقالي، بعد موافقة الأطراف على مشروع نظام الحكم الذاتي، يضم ممثلين عنها للمساهمة في تدبير عودة سكان المخيمات، ونزع السلاح والتسريح وإعادة إدماج العناصر المسلحة الموجودة خارج تراب الجهة، إلى جانب المساهمة في إقرار النظام وتطبيقه والعمليات الانتخابية المرتبطة به.

أي أن المجلس وفق هذا التصور، ليس بديلا عن الحكم الذاتي ولا سلطة أممية لإدارة الصحراء، وإنما آلية مرتبطة بمرحلة الانتقال نحو تنفيذ التسوية المتفق عليها.

وهذا التفصيل مهم لفهم ما بين سطور التقرير لأن ظهور الاستفتاء والمجلس الانتقالي معا لا يعني بالضرورة ولادة مسارين جديدين؛ فكلاهما موجود أصلا ضمن هندسة المبادرة المغربية.

يلفت اسويح إلى عنصر آخر لا يقل أهمية يتعلق بتطوير المغرب لمبادرة الحكم الذاتي وإعداد مشروع نظام أساسي لها.

وهذا يعني أن النقاش لم يعد محصورا في الوثيقة العامة المقدمة سنة 2007، بل يتجه إلى مستوى أكثر تفصيلا يتعلق بالمؤسسات والصلاحيات والترتيبات التي يمكن أن يقوم عليها نموذج الحكم الذاتي.

وهنا تتقاطع مجموعة من الإشارات الواردة في التقرير: مشروع اتفاق إطاري، نظام أساسي للحكم الذاتي، مؤسسات، انتخابات، تقاسم الموارد، ترتيبات أمنية، مصالحة، ضمانات دولية، مجلس انتقالي واستشارة السكان.

عند جمع هذه العناصر بدلا من قراءتها بصورة منفصلة تظهر صورة مختلفة: النقاش يتجه نحو سؤال كيفية بناء التسوية أكثر من بقائه عالقا عند سؤال ماهية التسوية.

ماذا عن تقرير المصير؟

حتى الإشارة إلى ضرورة أن تتضمن أي تسوية تشاورا ذا معنى مع السكان وفق مبدأ تقرير المصير لا تتعارض، من حيث المبدأ مع الصيغة التي قدمها المغرب سنة 2007.

فالمبادرة المغربية نفسها ربطت نظام الحكم الذاتي بتصويت السكان عليه، وقدمت هذا التصويت باعتباره ممارسة لحق تقرير المصير في إطار التسوية المتفاوض بشأنها.

ومن هنا تصبح المسألة الأساسية ليست وجود عبارة “تقرير المصير” في الوثائق الأممية، وإنما الشكل السياسي والقانوني الذي ستتم من خلاله ممارسته. وفي المسار الذي تصفه المسودة، يأتي ذلك بالتوازي مع جعل الحكم الذاتي أساسا للمفاوضات.

يظهر من التقرير أيضا أن إحدى القضايا المطروحة تتعلق بضمانات تنفيذ أي اتفاق محتمل. فالحديث عن ضمانات دولية قوية، وترتيبات أمنية، ونزع السلاح وإعادة الإدماج والمصالحة وتقاسم الموارد والانتخابات، يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدا من مجرد التوصل إلى صيغة سياسية مكتوبة.

إذ يصبح السؤال متعلقا بكيفية الانتقال من الاتفاق إلى التطبيق، ومن سيضمن احترام الالتزامات، وكيف ستدار المرحلة الانتقالية، وكيف سيجري دمج السكان الموجودين في المخيمات ضمن الوضع الجديد. هنا تبرز أيضا مسألة مستقبل المينورسو خصوصا مع اقتراب انتهاء ولايتها الحالية ووجود مراجعة استراتيجية لمهامها.

ويشير اسويح إلى أن المرحلة الأخيرة شهدت زخما تفاوضيا، في ظل الدور الأميركي إلى جانب الأمم المتحدة والاتصالات التي شملت الأطراف والفاعلين الإقليميين والدوليين.

ويربط التقرير بين تعثر التقدم واستمرار مشكلة انعدام الثقة، وهي عقدة تفسر لماذا لا يعني الانتقال إلى مناقشة التفاصيل أن الاتفاق النهائي أصبح وشيكا.

فالحديث عن المؤسسات والضمانات والترتيبات لا يساوي اتفاق الأطراف عليها. لكنه يعني أن طبيعة النقاش نفسها أصبحت أكثر تفصيلا مما كانت عليه عندما كان الخلاف يدور أساسا حول كيفية إعادة إطلاق العملية السياسية.

وهنا تكمن أهمية عدم اختزال مسودة غوتيريش في كلمتي “الاستفتاء” و”المجلس الانتقالي”. فالوثيقة وفق المعطيات المتداولة، تضعهما إلى جانب الحكم الذاتي، والنظام الأساسي، والضمانات الدولية، والترتيبات الأمنية، وتقاسم الموارد، والمصالحة والانتخابات.

كما أن الاستفتاء والمجلس الانتقالي ليسا عنصرين غريبين عن المبادرة المغربية؛ فكلاهما موجود في نصها منذ سنة 2007 ولكن ضمن ترتيب محدد: التفاوض على نظام الحكم الذاتي، الاتفاق عليه، استشارة السكان بشأنه ثم تدبير الانتقال إلى تنفيذه.

لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية الذي تطرحه المسودة ليس ما إذا كان مسار التسوية عاد إلى نقطة البداية بل العكس تماماً: هل بدأ المسار الأممي ينتقل فعلا من التفاوض حول عنوان الحل إلى التفاوض حول هندسته وتفاصيل تنفيذه؟ هذا هو السؤال الذي ستساعد اجتماعات مجلس الأمن خلال أكتوبر ثم القرار المقبل على تقديم إجابة أكثر وضوحا بشأنه.

Derniers articles