العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
فتح قرار جديد لوزارة الطاقة الأمريكية إمكانية وصول الغاز الطبيعي المسال المنتج في الولايات المتحدة إلى السوق المغربية حتى نهاية سنة 2050، في تطور يضيف خياراً جديدا إلى مصادر الإمداد المتاحة للمملكة، بالتزامن مع مساعيها لتنويع طرق الحصول على الغاز وتقليص مخاطر الاعتماد على مسار واحد.
أصدرت وزارة الطاقة الأمريكية في 11 شتنبر 2026 القرار رقم 5473 الذي يمنح شركة Sustain Energy LLC ترخيصا طويل الأمد لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى الدول التي تربطها بالولايات المتحدة اتفاقيات للتجارة الحرة تتضمن المعاملة الوطنية في تجارة الغاز الطبيعي، إلى جانب ترخيص للصادرات الصغيرة الحجم نحو أسواق أخرى مؤهلة.
ويصل السقف الإجمالي المرخص للشركة إلى ما يعادل 51.75 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، على أن يستمر الترخيص إلى غاية 31 دجنبر 2050.
ويكتسي القرار أهمية بالنسبة إلى المملكة لكون المغرب مدرجا ضمن الدول المشمولة باتفاقيات التجارة الحرة المؤهلة، ما يسمح قانونيا بأن يكون وجهة لصادرات الشركة الأمريكية من الغاز الطبيعي المسال.
وتكشف وثائق وزارة الطاقة الأمريكية أيضا عن نموذج التصدير الذي تعتزم الشركة اعتماده، إذ تخطط Sustain Energy للحصول على الغاز المسال من منشآت قائمة داخل الولايات المتحدة، ثم تحميله في حاويات متخصصة مطابقة لمعايير المنظمة الدولية للتوحيد القياسي “ISO”.
وتنقل هذه الحاويات برا إلى موانئ أمريكية قائمة، قبل تحميلها على سفن حاويات متجهة نحو الأسواق الخارجية، بدلا من اقتصار العملية على ناقلات الغاز الطبيعي المسال التقليدية.
وبالنسبة إلى المغرب يضيف الترخيص الأمريكي مصدرا محتملا جديدا إلى سوق الإمدادات، لكنه لا يغير فوراً البنية الحالية لاستيراد الغاز.
فمنذ سنة 2022 يشتري المغرب الغاز الطبيعي المسال من السوق الدولية، ويستخدم محطات إعادة التغويز الإسبانية قبل نقله إلى المملكة عبر خط أنبوب المغرب العربي–أوروبا في الاتجاه المعاكس.
وجاء اعتماد هذا المسار بعد توقف تدفقات الغاز الجزائري عبر الأنبوب في 2021، قبل إعادة تشغيله لاحقا في الاتجاه المعاكس لتأمين احتياجات المغرب من الغاز المستورد.
وفي موازاة تنويع الموردين تعمل المملكة على تطوير بنية تحتية تسمح لها مستقبلا باستقبال الغاز الطبيعي المسال بصورة مباشرة، بدلا من الاعتماد حصرا على منشآت إعادة التغويز الموجودة خارج البلاد.
وكان مشروع إنشاء محطة للغاز الطبيعي المسال في ميناء الناظور غرب المتوسط، وربطها بخط المغرب العربي أوروبا وبالمناطق الصناعية في القنيطرة والمحمدية أحد أبرز مكونات هذه الاستراتيجية.
غير أن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة علقت في فبراير 2026 مساطر طلبات المنافسة المرتبطة بالمحطة وشبكة الأنابيب، مشيرة إلى ظهور “معايير وافتراضات جديدة” تستدعي مراجعة المشروع.
ولا يعني ذلك التخلي عن المشروع إذ أفادت معطيات لاحقة من داخل الوزارة بأن الملف يخضع لإعادة الضبط والمراجعة تمهيدا لاستكماله، بينما تبلغ القدرة المخطط لها لمحطة الناظور نحو خمسة مليارات متر مكعب سنويا.
وبالتوازي مع خيار الغاز الطبيعي المسال يواصل المغرب ونيجيريا الدفع بمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يشكل على المدى الطويل أحد أكبر رهانات المملكة لتنويع مصادر الإمداد وربط أسواق غرب إفريقيا بالمغرب وأوروبا.
وسجل المشروع في 19 يوليوز 2026 محطة جديدة بتوقيع الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “سيدياو” الاتفاق الحكومي الدولي المنظم للمشروع خلال قمة فريتاون.
وبحسب المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن صمم الأنبوب بطاقة نقل تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا، منها ما يصل إلى 15 مليار متر مكعب موجهة نحو المغرب والأسواق الأوروبية. كما تدخل الخطة الآن مرحلة جديدة تشمل إحداث شركة المشروع، التي سيكون مقرها في الدار البيضاء، وهيئة عليا للأنبوب مقرها أبوجا، قبل تعبئة المستثمرين والتحضير لقرار الاستثمار النهائي.
وبذلك لا تكمن أهمية القرار الأمريكي في تحول المغرب مباشرة إلى الغاز الأمريكي، وإنما في توسيع قائمة الخيارات المتاحة أمامه.
فالترخيص يمنح شركة أمريكية إمكانية قانونية للوصول إلى السوق المغربية، بينما تعمل المملكة في مسار موازٍ، على تطوير منافذها الخاصة لاستقبال الغاز وتوسيع شبكة الأنابيب وتعزيز ارتباطها بمصادر جديدة في غرب إفريقيا.
تكشف هذه التحركات عن توجه يقوم على تنويع الموردين ومسارات النقل في الوقت نفسه؛ فالغاز الأمريكي يمثل مصدرا محتملا، وإسبانيا تؤدي حاليا دورا لوجستيا في إعادة التغويز، فيما يمكن لمحطة الناظور والأنبوب الإفريقي الأطلسي، عند إنجازهما أن يوسعا هامش الخيارات أمام المملكة.
وعليه فإن قرار واشنطن لا يمثل عقدا جديدا لتوريد الغاز إلى المغرب، لكنه يضيف باباً أمريكيا جديدا إلى منظومة إمدادات تسعى الرباط إلى جعلها أكثر تنوعا ومرونة على المدى المتوسط والبعيد.











