العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
لم تكن أبرز مفاجآت انتخابات 23 شتنبر في الأقاليم الجنوبية مرتبطة فقط بالأسماء التي صعدت إلى البرلمان أو بالأحزاب التي أعادت ترتيب موازين القوى بل بالناخبين أنفسهم.
ففي الوقت الذي استقرت فيه نسبة المشاركة وطنياً عند 38.08 في المائة، سجلت جهة العيون الساقية الحمراء نحو 77 في المائة، وبلغت في الداخلة وادي الذهب 61 في المائة، وتجاوزت 53 في المائة بكلميم واد نون، لتعود جهات الجنوب إلى صدارة المشاركة الانتخابية بفارق كبير عن المعدل الوطني.
والأهم أن الأمر لا يتعلق بقفزة انتخابية معزولة مرتبطة بظرف 2026. ففي جهة العيون الساقية الحمراء تحديدا، انتقلت نسبة المشاركة من نحو 36 في المائة سنة 2011 إلى 56 في المائة سنة 2016، ثم إلى 66.94 في المائة سنة 2021، قبل أن تبلغ قرابة 77 في المائة في اقتراع 2026.
أربع محطات انتخابية وفي كل واحدة منها ارتفعت نسبة الحضور إلى صناديق الاقتراع. هنا تكمن الدلالة الأولى لاستحقاق 23 شتنبر: المشاركة في الأقاليم الجنوبية تحولت من مجرد رقم انتخابي إلى سلوك سياسي متكرر ومتراكم.
كان يمكن تفسير نسبة مرتفعة في استحقاق واحد بقوة التعبئة أو احتدام المنافسة أو خصوصية المرشحين.
لكن استمرار المنحى نفسه خلال خمسة عشر عاما يجعل الصورة أوسع. فالناخب في الأقاليم الجنوبية أصبح يتعامل بصورة متزايدة مع الانتخابات باعتبارها إحدى القنوات المباشرة لاختيار من يدبر الشأن العام ومن يحمل مطالبه إلى المؤسسات.
وقد سبقت الاقتراع حملة انتخابية شديدة التنافس خصوصا في العيون، حيث خاض 22 حزبا السباق على ثلاثة مقاعد محلية، فيما تحولت الأحياء والقاعات والتجمعات القبلية إلى فضاءات للتنافس والتعبئة وعرض البرامج.
ولذلك جاءت المشاركة المرتفعة امتدادا لحركية كانت واضحة قبل فتح مكاتب التصويت، وليست ظاهرة ظهرت في الساعات الأخيرة من يوم الاقتراع.
وتكشف انتخابات 2026 أيضا جانبا آخر من التحول السياسي في الصحراء. فالقبيلة لا تزال حاضرة بقوة في البناء الاجتماعي وفي شبكات التضامن والتعبئة، وقد شهدت الحملة لقاءات مكثفة لشيوخ وأعيان ووجهاء ومكونات قبلية دعوا إلى المشاركة أو دعموا مرشحين مختلفين.
لكن استمرار العامل القبلي لا يعني أن المؤسسة الانتخابية أصبحت امتدادا آليا للقبيلة. بل يمكن قراءة التطور بصورة مختلفة: البنية الاجتماعية التقليدية نفسها أصبحت تتحرك بدرجة متزايدة داخل قواعد المنافسة الانتخابية.
فالقبائل لا تتجمع خلف مرشح واحد على مستوى المنطقة، ولا تصوت جميعها لحزب واحد؛ بل تتوزع المواقف والتحالفات، ويصل التنافس أحيانا إلى داخل المكون الاجتماعي نفسه.
وهذا يعني أن القبيلة بقيت مؤثرة، لكنها لم تلغ التعددية الحزبية أو صندوق الاقتراع، وإنما أصبحت واحدة من العناصر التي تدخل في صناعة الاختيار الانتخابي إلى جانب التنظيم الحزبي والمرشح والبرنامج والمصالح المحلية.
وهنا تظهر أهمية النتائج بعيدا عن أي قراءة تبسيطية. فارتفاع المشاركة لا يعني أن سكان الأقاليم الجنوبية يحملون التوجه السياسي أو الحزبي نفسه.
العكس هو الذي أظهرته انتخابات 23 شتنبر. تنافست أحزاب متعددة، وتوزعت الأصوات والمقاعد، وتغيرت تحالفات، وصعدت أسماء وتراجعت أخرى. وكان الصراع داخل عدد من الدوائر حادا ومفتوحا حتى الساعات الأخيرة.
لذلك تكمن قيمة الرقم في مكان آخر: الاختلاف لم يدفع إلى مغادرة العملية السياسية بل جرى التعبير عنه داخلها.
وهذه نقطة أساسية لفهم المشهد الصحراوي الجديد. فالناخب قد يعاقب حزبا ويمنح صوته لمنافسه، وقد يصوت انطلاقا من الاعتبارات المحلية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو القبلية، لكنه يفعل ذلك عبر الآلية الانتخابية نفسها.
وتصبح الأرقام أكثر دلالة عند مقارنتها بانتخابات 2021. ففي ذلك العام بلغ المعدل الوطني للمشاركة 50.18 في المائة، وسجلت العيون الساقية الحمراء 66.94 في المائة، والداخلة وادي الذهب 58.30 في المائة، وكلميم واد نون 63.76 في المائة.
أما في 2026 فقد انخفض المعدل الوطني إلى 38.08 في المائة بينما واصلت العيون والداخلة مسارهما التصاعدي. وهذا هو الرقم الذي يستحق التوقف عنده.
فالمسافة بين جهة العيون الساقية الحمراء والمعدل الوطني اتسعت إلى قرابة 39 نقطة مئوية.
أي أن المشاركة في الجهة تجاوزت تقريبا ضعف المعدل المسجل على الصعيد الوطني.
ولا يمكن اختزال فارق بهذا الحجم في عامل واحد؛ فهو نتاج خليط من قوة المنافسة، والتعبئة الحزبية والاجتماعية، وحضور القبيلة، وثقل الرهانات المحلية، وتراكم ثقافة انتخابية اكتسبت مع الوقت موقعا مهما في الحياة السياسية للمنطقة.
ومن النتائج المباشرة لهذه الأرقام أن النواب المنتخبين عن الدوائر الجنوبية خرجوا من اقتراع شاركت فيه نسبة مرتفعة من المسجلين مقارنة بمعظم مناطق البلاد.
وهذا يمنح التمثيلية البرلمانية في المنطقة قاعدة انتخابية واسعة من الناحية العددية.
لكن المشاركة المرتفعة ترفع في الوقت نفسه حجم المسؤولية. فالناخب الذي توجه بكثافة إلى الصندوق لا يمنح المنتخب شيكا مفتوحا، بل ينتظر أن تتحول المشاركة إلى نتائج في ملفات ملموسة: التشغيل، والسكن، والصحة، والتعليم، والاستثمار، والبنيات التحتية، وتدبير التحولات الاجتماعية التي تعرفها مدن الجنوب.
ومن هنا تبدأ المرحلة الثانية من الانتخابات. فنجاح الاقتراع يقاس أولا بنسبة المشاركة واحترام قواعد التنافس، لكن أداء المؤسسات يقاس لاحقا بقدرة من انتُخبوا على تحويل الأصوات إلى سياسات وترافع ونتائج.
ما حدث في 23 شتنبر يسمح كذلك بإعادة النظر في تفسير المشاركة المرتفعة باعتبارها مجرد نتيجة للتعبئة القبلية.
فالقبيلة كانت موجودة سنة 2011 كما كانت موجودة سنة 2016 و2021. لكن نسبة المشاركة ارتفعت من 36 إلى 56 ثم 66.94 وصولا إلى قرابة 77 في المائة.
هذا المسار يشير إلى أن العامل الاجتماعي رغم أهميته لا يكفي وحده لتفسير التطور.
هناك أيضا تراكم انتخابي جعل صناديق الاقتراع جزءا أكثر رسوخا من طريقة تدبير التنافس السياسي في المنطقة.
ومن اللافت أن هذه المشاركة جرت وسط تنافس حزبي شديد واتساع في عدد المرشحين والفاعلين، بما يوضح أن ارتفاع الإقبال لم يكن نتيجة غياب الاختيار، بل حدث داخل مشهد متعدد الخيارات السياسية.
انتهت ليلة 23 شتنبر بأسماء فائزين وخاسرين، وتغيرت الخريطة البرلمانية، وبدأت الأحزاب حساباتها الجديدة.
لكن بعد أن تخفت حرارة الصراع الحزبي، سيبقى رقم المشاركة واحدا من أبرز معطيات انتخابات 2026 في الصحراء. 77 في المائة في العيون الساقية الحمراء مقابل 38.08 في المائة وطنيا.
وخلف الرقم مسار أطول: 36 في المائة سنة 2011، ثم 56 في 2016، ثم 66.94 في 2021، وصولا إلى المستوى الحالي.
لذلك فإن أهم ما تكشفه صناديق 23 شتنبر ليس فقط هوية النواب الجدد، وإنما حجم التحول في علاقة سكان المنطقة بالعملية الانتخابية.
فالقبائل بقيت حاضرة والأحزاب تنافست والتحالفات تبدلت، والناخبون اختلفوا في اختياراتهم. لكن نقطة الالتقاء كانت الصندوق.
ومن هنا تبدأ قراءة المرحلة المقبلة: ليس السؤال فقط من فاز في الصحراء، وإنما ماذا سيفعل المنتخبون بهذه الكتلة الكبيرة من الثقة نوالمشاركة التي أوصلتهم إلى البرلمان؟











