العيون الآن.
يوسف بوصولة – العيون
يدخل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط مرحلة حاسمة قبل انطلاق عملياته التجارية الأولى خلال الربع الأخير من سنة 2026، بعدما انتقلت الأشغال من بناء المنشآت المينائية الأساسية إلى تركيب واختبار التجهيزات والأنظمة التشغيلية، في مشروع ضخم يراهن عليه المغرب لتعزيز حضوره في حركة التجارة البحرية بالبحر الأبيض المتوسط.
يجري تطوير المركب على الساحل المتوسطي بإقليم الناظور على مقربة من مدينة مليلية، ضمن منظومة تجمع بين الميناء والمناطق الصناعية واللوجستية والطاقية، على أن يتم إدخال مختلف محطاته إلى الخدمة تدريجيا بين نهاية السنة الجارية و2027.
وبحسب الجدولة المعلنة للمشروع ستشكل المحطة الشرقية للحاويات أول مكونات المركب التي تدخل مرحلة الاستغلال التجاري خلال الربع الأخير من 2026، قبل تشغيل محطة الرورو والمحطة الغربية للحاويات ومحطات البضائع والطاقة والمواد الصلبة تدريجيا ابتداء من سنة 2027.
وتقدمت الاستعدادات خطوة إضافية خلال الأسابيع الأخيرة بعدما أنهت المحطة الشرقية للحاويات اختباراتها التشغيلية، التي شملت المعدات والأنظمة ومساطر العمل في ظروف تحاكي التشغيل الفعلي، تمهيدا لاستقبال أولى الرحلات التجارية.
كما دخلت الرافعات العملاقة المخصصة للتعامل مع سفن الحاويات الكبرى، إلى جانب التجهيزات الكهربائية الخاصة بمناولة الحاويات داخل ساحات التخزين، ضمن المنظومة التشغيلية للمحطة.
ويؤشر ذلك على انتقال الناظور غرب المتوسط تدريجيا من مرحلة الورش إلى مرحلة ما قبل التشغيل، بعد اكتمال الجزء الأساسي من بنيته المينائية.
يتوفر المشروع على نحو 5.4 كيلومترات من الحواجز البحرية وحوالي أربعة كيلومترات من الأرصفة، وصممت منشآته لاستقبال السفن الكبرى العاملة على الخطوط البحرية الدولية.
وتبلغ الطاقة الأولية لمحطتي الحاويات حوالي خمسة ملايين حاوية مكافئة لعشرين قدما سنويا، مع إمكانية رفع القدرات مستقبلا بالتوازي مع تطور النشاط والاستثمارات المرتبطة بالمركب.
يتجاوز المشروع في تصميمه وظيفة الميناء التقليدية إذ يجمع بين عمليات الحاويات والبضائع المختلفة والنقل المدحرج والأنشطة الطاقية، إلى جانب فضاءات صناعية ولوجستية يفترض أن تستقطب استثمارات مرتبطة بالصناعة والتخزين والتحويل والتصدير.
وتقدر الاستثمارات العمومية والخاصة المرتبطة بالمركب بنحو 4.7 مليارات يورو، بما يضع المشروع ضمن أكبر الأوراش المينائية والصناعية التي أنجزها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
وبموازاة تجهيز الأرصفة والمحطات، تتقدم مشاريع الربط البري للميناء، وفي مقدمتها الطريق السيار الذي سيصله بالشبكة الوطنية، بما يوفر امتدادا لوجستيا يسمح بنقل البضائع من وإلى المركب وربطه بالمراكز الصناعية والاقتصادية للمملكة.
يشكل المقطع الرابط بين إقليم الدريوش ومحيط المركب جزءا أساسيا من هذه المنظومة، باعتبار أن قدرة أي ميناء على استقطاب حركة تجارية كبيرة لا ترتبط بطاقة الأرصفة وحدها، وإنما بسرعة انتقال البضائع من البحر إلى شبكات النقل البرية والمناطق الصناعية.
ويوازي ذلك تطوير فضاءات اقتصادية ولوجستية مرتبطة بالميناء، في إطار تصور يجعل الناظور غرب المتوسط مركبا صناعيا ومينائيا متكاملا.
يفتح هذا النموذج المجال أمام استقطاب أنشطة صناعية وخدماتية مرتبطة بسلاسل القيمة الدولية، مستفيدا من قرب المنطقة من أوروبا ووجودها على أحد أهم محاور الملاحة البحرية بين المتوسط والمحيط الأطلسي.
يأتي المشروع إمتدادا للتوجه الذي بدأه المغرب مع طنجة المتوسط، والقائم على بناء أقطاب مينائية كبيرة ترتبط مباشرة بالاستثمار الصناعي واللوجستيك وشبكات التجارة الدولية.
غير أن الناظور غرب المتوسط لا يقدم رسميا باعتباره بديلا عن طنجة المتوسط، بل منصة مكملة له من شأنها توسيع الطاقة المينائية للمملكة وتنويع مواقع استقبال حركة الحاويات وإعادة الشحن على الواجهة المتوسطية.
ويمنح وجود قطبين بهذا الحجم المغرب قدرة إضافية على التفاوض مع شركات الملاحة الدولية واستقطاب خطوط بحرية جديدة، فضلا عن توفير مساحات صناعية ولوجستية جديدة بعيدا عن محور طنجة.
كما يحمل المشروع بعدا جهويا مباشرا بالنظر إلى الرهان على تحويله إلى محرك للاستثمار والتشغيل في جهة الشرق، وربط النشاط المينائي باستثمارات صناعية وطاقية ولوجستية جديدة.
ويحظى تقدم المشروع بمتابعة في وسائل الإعلام الإسبانية، بالنظر إلى موقعه على الضفة الجنوبية للمتوسط وقربه الجغرافي من إسبانيا ومليلية.
وفي هذا السياق قدمت صحيفة “أوكي دياريو” الإسبانية تطور القدرات المينائية المغربية باعتباره عاملا جديدا في المنافسة اللوجستية داخل غرب المتوسط، مشيرة إلى أن توسيع المغرب قدراته في مناولة الحاويات وإعادة الشحن يمكن أن يعزز قدرته على استقطاب جزء أكبر من حركة الملاحة الدولية.
تأتي هذه القراءة في سياق أوسع تعرف فيه الموانئ المتوسطية منافسة متزايدة على خطوط الحاويات الكبرى، حيث لا تتحدد جاذبية الميناء بموقعه الجغرافي فقط وإنما كذلك بالطاقة الاستيعابية وسرعة المناولة وكلفة الخدمات والربط بالمناطق الصناعية وشبكات النقل البرية.
ومن هذه الزاوية يضيف الناظور غرب المتوسط قدرة جديدة إلى المنظومة المغربية، بعد الصعود الذي سجله طنجة المتوسط خلال السنوات الماضية.
ومع اقتراب المحطة الشرقية من استقبال أولى عملياتها التجارية، ينتقل الرهان من إنجاز البنية التحتية إلى اختبار القدرة التشغيلية للمشروع واستقطاب حركة فعلية ومستدامة للسفن والحاويات والاستثمارات.
وستشكل نهاية 2026 وبداية 2027 أول اختبار عملي لهذا الرهان، مع دخول المحطات تباعا إلى الخدمة، وتحول الناظور غرب المتوسط من واحد من أكبر الأوراش المفتوحة على الساحل المغربي إلى فاعل جديد داخل شبكة الموانئ الكبرى في غرب البحر الأبيض المتوسط.











