العيون الآن
يوسف بوصولة – العيون
تتجه الشراكة الاقتصادية بين المغرب وموريتانيا نحو مستوى جديد من التكامل الصناعي، مع العمل على تطوير منطقة صناعية على مساحة 800 هكتار جنوب العاصمة نواكشوط، يرتقب أن تحظى داخلها المقاولات المغربية بأولوية في إقامة مشاريعها، وبمعاملة استثمارية مماثلة للشركات الموريتانية.
كشف الشيخ سيدي محمد ولد أحمدو المدير العام للصناعة بوزارة المعادن والصناعة الموريتانية، خلال مشاركته في معرض SISTEP IMME 2026 بالدار البيضاء، أن العمل جار على تطوير المنطقة في إطار الشراكة بين البلدين، مؤكدا أن استثمارات الشركات المغربية داخلها لن تعامل باعتبارها استثمارات أجنبية.
ويمنح هذا التوجه للمشروع بعدا يتجاوز إنشاء فضاء صناعي جديد في موريتانيا، ليرتبط ببناء قاعدة للتكامل الإنتاجي بين اقتصادي البلدين، وفتح المجال أمام إقامة مشاريع وشركات مشتركة وتطوير سلاسل قيمة في قطاعات الصناعة والتعدين والطاقة.
تتقاطع المعطيات التي كشف عنها المسؤول الموريتاني بالدار البيضاء مع مشروع سبق أن أقرته الحكومة الموريتانية لإنشاء منطقة صناعية حديثة على مساحة 800 هكتار ببلدية العرية، التابعة لمقاطعة واد الناقة بولاية الترارزة، عند الكيلومتر 22 جنوب نواكشوط.
يأتي المشروع ضمن تنفيذ الاستراتيجية الوطنية الموريتانية للتصنيع في أفق سنة 2030، التي تستهدف مضاعفة وحدات التحويل الصناعي، خصوصا في القطاعات التي تتوفر فيها البلاد على مؤهلات تنافسية، وفي مقدمتها الزراعة والثروة الحيوانية والصيد البحري والطاقات المتجددة.
ومن المنتظر أن تحتضن المنطقة أنشطة الإنتاج والتحويل الصناعي، والخدمات الصناعية، والنقل واللوجستيك، والطاقة والبيئة، إلى جانب التكنولوجيا والابتكار، بما يسمح بتجميع عدد من الأنشطة الصناعية داخل فضاء حديث ومهيأ.
ويراهن المشروع كذلك على رفع مستوى تحويل المواد الأولية الموريتانية محليا، وخلق فرص شغل مستدامة، وتعزيز الصادرات ذات القيمة المضافة، إلى جانب تحسين البيئة المخصصة للاستثمار الصناعي.
غير أن المعطى الجديد الذي برز خلال معرض الدار البيضاء يتعلق بالمكانة التي ستمنح للمقاولات المغربية داخل هذه الدينامية الصناعية.
فبحسب المدير العام للصناعة الموريتاني ستتمتع الشركات المغربية بأولوية لإقامة مشاريعها داخل المنطقة، كما ستستفيد من الحقوق الاستثمارية نفسها الممنوحة للمقاولات الموريتانية، دون تصنيف استثماراتها باعتبارها استثمارات أجنبية.
ويفتح هذا التوجه المجال أمام انتقال التعاون الاقتصادي بين الرباط ونواكشوط من المبادلات التجارية والاستثمارات المنفردة إلى بناء مشاريع إنتاجية مشتركة، خاصة في ظل الخبرة الصناعية المغربية وحاجة السوق الموريتانية إلى توسيع قدراتها في مجال تحويل المواد الأولية محليا.
كما تناولت المباحثات بين الفاعلين الصناعيين من البلدين إمكانية إنشاء شركات مشتركة وتطوير المنطقة بما يسمح للمقاولات بالانفتاح على أسواق إفريقية أوسع، ولا سيما منطقة الساحل وغرب إفريقيا.
تكتسب المنطقة بعدا إضافيا بالنظر إلى موقع موريتانيا بين المغرب ودول الساحل وغرب إفريقيا، وهو ما يجعل المشروع قابلا للعب دور منصة صناعية ولوجستية تربط عدة أسواق داخل المجال الأطلسي الإفريقي.
وفي المقابل تحدث المسؤول الموريتاني عن الاستفادة من المغرب كمنفذ نحو السوق الأوروبية، بما يتيح تصور سلسلة تجارية تمتد من موريتانيا وغرب إفريقيا شمالا عبر البنية اللوجستية والتجارية المغربية.
يأتي هذا التوجه في سياق حمل شعار واضح خلال المشاركة الموريتانية في معرض SISTEP IMME 2026، وهو “المغرب موريتانيا: من التكامل الصناعي إلى المشاريع المشتركة”، مع تركيز المباحثات على البناء المشترك لسلاسل القيمة الصناعية والتعدينية والطاقية.
وتشير هذه الدينامية إلى أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تتجه تدريجيا نحو تجاوز منطق المبادلات التجارية التقليدية، لصالح شراكات تقوم على الإنتاج والاستثمار المشترك وتقاسم سلاسل القيمة والولوج إلى الأسواق.
تكمن الأهمية الاستراتيجية للمشروع في الموقع الذي يمكن أن يحتله ضمن التحولات الاقتصادية الجارية على الواجهة الأطلسية الإفريقية، إذ تمتلك موريتانيا موارد طبيعية مهمة وموقعا مباشرا على أسواق الساحل، فيما يتوفر المغرب على قاعدة صناعية ولوجستية ومينائية مرتبطة بصورة وثيقة بالأسواق الأوروبية.
ومن شأن الجمع بين هذه المزايا أن يوفر للشركات من البلدين مجالا لبناء وحدات إنتاج موجهة للسوق الموريتانية وللتصدير، مع إمكانية تطوير سلاسل توريد تمتد نحو دول الساحل وغرب إفريقيا شمالا ونحو أوروبا.
وبذلك لا تكمن أهمية المنطقة الصناعية المرتقبة في مساحتها البالغة 800 هكتار فقط، وإنما في النموذج الاقتصادي الذي يجري بناؤه حولها، والقائم على منح المقاولات المغربية موقعا متقدما داخل مشروع صناعي موريتاني واسع، وفتح المجال أمام شراكات إنتاجية مشتركة.
وإذا انتقلت هذه التوجهات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي فإن المنطقة يمكن أن تتحول إلى إحدى أبرز أدوات التكامل الاقتصادي بين الرباط ونواكشوط، في وقت تتزايد فيه أهمية المحور المغربي الموريتاني ضمن حركة التجارة والاستثمار والربط بين شمال القارة وغربها وعمقها الساحلي.











