اختراق سيبراني يهز الجيش الجزائري.. بيانات عسكريين تخرج من دائرة السرية

محرر مقالات13 سبتمبر 2026
اختراق سيبراني يهز الجيش الجزائري.. بيانات عسكريين تخرج من دائرة السرية

العيون الآن.

يوسف بوصولة – العيون

 

تعرضت المؤسسة العسكرية الجزائرية لاختراق سيبراني واسع طال قاعدة بيانات مرتبطة بالجيش الوطني الشعبي، وأفضى إلى تسريب معطيات حساسة مرتبطة بعسكريين وضباط ووحدات عسكرية، في حادث يضع منظومة حماية المعلومات داخل واحدة من أكثر مؤسسات الدولة الجزائرية حساسية أمام اختبار أمني غير مسبوق.

 

بحسب المعطيات المتداولة بشأن الاختراق، يصل حجم قاعدة البيانات المسربة إلى نحو 32 جيغابايت، وتشمل مستويات مختلفة من المعلومات، تبدأ من البيانات التعريفية والمهنية للعسكريين وتمتد وفق المصادر نفسها، إلى معطيات مرتبطة بالوحدات والتجهيزات والتوزيع اللوجستي.

 

تحدثت تقارير صحفية اطلعت على جزء من المواد المنشورة عن ظهور لوائح تتضمن أسماء جنود وضباط وعناصر مرتبطة بالاستخبارات العسكرية، إلى جانب عناوين وأرقام تعريف ورتب ومهام وأماكن عمل، فضلا عن بيانات مرتبطة ببعض الثكنات والأرقام التسلسلية للعسكريين.

 

ولم يصدر،ث حتى الآن تأكيد رسمي من وزارة الدفاع الجزائرية بشأن الحجم المعلن للتسريب أو مختلف محتوياته، كما لم تتضح بصورة مستقلة الجهة التي تقف وراء الاختراق وكيفية وصولها إلى قاعدة البيانات.

 

خطورة الاختراق إذا تأكدت مختلف المعطيات المتداولة بشأن محتوياته، لا تتوقف عند كشف أسماء عسكريين أو بيانات إدارية كان يفترض أن تظل داخل الأنظمة المغلقة للمؤسسة العسكرية.

 

فالتسريب يتضمن وفق المعطيات المتوفرة، أسماء ورتبا وأرقام تعريف وتواريخ مرتبطة بالمسار المهني للعسكريين، إلى جانب صور ومعلومات شخصية وعناوين وأرقام هواتف وبيانات تتصل بأفراد من أسرهم.

 

وهنا تنتقل القضية من مجرد تسريب إداري إلى مشكلة أمنية؛ إذ إن كشف البيانات الشخصية للعسكريين يتيح إمكان استخدامها في عمليات احتيال وانتحال هوية وهندسة اجتماعية ومحاولات استهداف إلكتروني أكثر دقة.

 

لكن الجانب الأكثر حساسية يتعلق بالمعطيات التي يقال إنها مرتبطة بأماكن الخدمة والوحدات والتجهيزات العسكرية.

 

فإذا ثبت أن قاعدة البيانات المسربة تجمع بين هوية العسكري ورتبته ووحدته ومكان عمله والمعدات المرتبطة بوظيفته، فإن القيمة الاستخباراتية لهذه المعلومات تصبح أكبر بكثير من قيمة كل سجل منفرد.

 

ويجري تداول رقم يقارب 32 جيغابايت بوصفه الحجم الإجمالي للبيانات التي تعرضت للاختراق، لكن هذا الرقم لم يتسن التأكد منه بصورة مستقلة حتى الآن.

 

كما أن قياس خطورة أي تسريب عسكري لا يتم بالحجم الرقمي للملفات وحده، وإنما بنوعية المعلومات الموجودة داخله وإمكانية ربط قواعد البيانات بعضها ببعض.

 

فآلاف السجلات الإدارية على سبيل المثال قد تكون أقل خطورة من ملف صغير يتضمن مواقع منشآت حساسة أو مفاتيح وصول إلى أنظمة عسكرية.

 

وفي المقابل تتحول قاعدة بيانات ضخمة تحتوي على معلومات مترابطة عن الأفراد والوحدات والوظائف إلى مادة يمكن تحليلها آليا لبناء صورة أوسع عن الهيكل التنظيمي للمؤسسة المستهدفة.

 

وبهذا فإن السؤال الذي سيحدد الحجم الحقيقي للاختراق ليس فقط “كم بلغ حجم البيانات المسربة؟”، وإنما “ماذا يمكن استخلاصه منها؟”.

 

وتظهر الحساسية الأمنية الأكبر عندما تصبح المعلومات المتفرقة قابلة للربط فيما بينها. فمعرفة اسم عسكري بمفرده تختلف جذريا عن معرفة اسمه ورتبته وتخصصه ووحدته ومكان خدمته والتجهيز المرتبط بمهمته في الوقت نفسه.

 

ومن خلال تحليل كميات كبيرة من هذه السجلات يمكن، نظريا رسم العلاقات بين الأفراد والوحدات، وتحديد التخصصات وتوزيع الكفاءات البشرية، واستنتاج أجزاء من البنية التنظيمية واللوجستية للمؤسسة.

 

كما أن البيانات الشخصية الحقيقية تجعل عمليات التصيد الإلكتروني والهندسة الاجتماعية أكثر خطورة، لأن المهاجم لا يعود مضطرا إلى إرسال رسائل عشوائية، وإنما يستطيع بناء محاولة استهداف تستند إلى معلومات صحيحة عن الشخص ووظيفته ومحيطه.

 

هذا تحديدا ما يجعل تسريب قواعد البيانات العسكرية مختلفا عن الاختراقات التقليدية للمؤسسات المدنية.

 

تكتسب القضية بعدا إضافي بالنظر إلى أنها تأتي بعد أشهر قليلة فقط من إعلان وزارة الدفاع الجزائرية استراتيجية وطنية لأمن الأنظمة المعلوماتية للفترة 2025-2029.

 

ففي 3 مارس الماضي أعلنت وكالة أمن الأنظمة المعلوماتية التابعة لوزارة الدفاع نشر الاستراتيجية التي صادق عليها الرئيس عبد المجيد تبون، وقدمتها باعتبارها إطارا لحماية مؤسسات الدولة والهيئات الوطنية من التهديدات السيبرانية.

 

ووضعت الوثيقة ضمن أهدافها ضمان “المرونة السيبرانية الوطنية” وحماية البنية التحتية الرقمية للدولة وبياناتها والمحافظة على ما وصفته بـ”السيادة الرقمية الوطنية”.

 

وبعد نحو ستة أشهر فقط تأتي معطيات الاختراق الحالي لتضع فعالية هذه التحصينات أمام امتحان عملي بالغ الحساسية، خصوصا أن المؤسسة التي تتولى جانبا أساسيا من هندسة الأمن السيبراني للدولة هي نفسها المؤسسة العسكرية التي تتعلق بها البيانات المسربة.

 

ويبرز الاختراق كذلك مفارقة بين الخطاب الذي تقدمه المؤسسة العسكرية الجزائرية عن جاهزيتها وبين طبيعة التهديد الذي ظهر من داخل المجال الرقمي.

 

فوزارة الدفاع الجزائرية تقدم في بياناتها الدورية الجيش باعتباره في حالة “يقظة” و”جاهزية دائمة”، وهي الصيغة التي كررتها على سبيل المثال، في حصيلتها العملياتية للفترة بين 2 و8 شتنبر الجاري.

 

لكن الحروب الحديثة لم تعد تقيس قوة المؤسسات العسكرية بعدد الوحدات والأسلحة والعمليات الميدانية وحدها، إذ أصبحت حماية قواعد البيانات وشبكات القيادة والاتصالات والهوية الرقمية للعسكريين جزءا أساسيا من مفهوم الجاهزية نفسه.

 

ومن هنا يمثل الاختراق بصرف النظر عن الجهة التي نفذته، إنذارا بشأن مستوى حماية الحلقة الرقمية داخل المؤسسة العسكرية الجزائرية، خصوصا إذا أثبت التحقيق أن البيانات المتداولة خرجت بالفعل من نظام مركزي أو قاعدة عسكرية داخلية.

 

ولا تنتهي آثار هذا النوع من الاختراقات بإغلاق الثغرة التقنية التي سمحت بالوصول إلى المعلومات. فالبيانات بمجرد نسخها ونشرها خارج النظام الأصلي، لا يمكن استعادتها بالمعنى التقليدي، وقد تبقى متداولة لسنوات وتنتقل بين جهات متعددة حتى بعد حذف المصدر الأول الذي نشرها.

 

بذلك لا تكمن الضربة الأساسية في نجاح جهة مجهولة في اختراق منظومة رقمية فحسب، وإنما في حجم المعلومات التي ربما أصبحت خارج سيطرة المؤسسة العسكرية. فالجزائر التي وضعت قبل أشهر “السيادة الرقمية” وحماية بيانات الدولة في قلب استراتيجيتها الوطنية للأمن السيبراني تجد اليوم إحدى أكثر مؤسساتها حساسية أمام اختبار معاكس تماما: معرفة حجم ما خرج من دائرة السرية وكيف حدث ذلك، وما إذا كانت الثغرة قد أغلقت فعلاً أم أن ما ظهر حتى الآن ليس سوى الجزء المرئي من الاختراق.

الاخبار العاجلة