المؤتمر السابع عشر للبوليساريو…استحقاق يكشف عمق المأزق وتصدع القيادة أمام التحولات الدولية

محرر مقالات8 سبتمبر 2026
المؤتمر السابع عشر للبوليساريو…استحقاق يكشف عمق المأزق وتصدع القيادة أمام التحولات الدولية

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو – العيون.

 

يدخل المؤتمر السابع عشر لجبهة البوليساريو مرحلة التحضير وسط مناخ داخلي مثقل بالانتقادات والتوترات، وفي سياق إقليمي ودولي تتراجع فيه هوامش المناورة السياسية أمام القيادة الانفصالية، بينما يتقدم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الإطار الأكثر حضورا في النقاش الدبلوماسي المتصل بتسوية النزاع حول الصحراء، ويكتسب هذا المؤتمر أهمية استثنائية بالنظر إلى أنه يأتي في لحظة تبدو فيها الجبهة أمام اختبار تنظيمي وسياسي حاسم، بين الحاجة إلى تجديد هياكلها واستراتيجيتها وبين واقع داخلي يشي بتزايد الانغلاق وتراجع القدرة على إنتاج مبادرات سياسية جديدة.

 

وتكشف المؤشرات المرتبطة بالتحضير لهذا الاستحقاق عن تصاعد التوتر داخل دوائر القيادة بعدما تحول اجتماع الأمانة العامة، الذي كان يفترض أن يشكل محطة لإطلاق نقاش تنظيمي وسياسي واسع، إلى مناسبة تعيد إلى الواجهة الانتقادات المرتبطة بأسلوب تدبير السلطة داخل الجبهة ومستقبل القيادة الحالية، فبدلا من أن ينصرف النقاش إلى إعادة تقييم الخيارات السياسية التي حكمت مسار الجبهة خلال السنوات الأخيرة، يبدو أن جانبا مهما من التحركات الداخلية ينصب على تدبير التوازنات التنظيمية والحفاظ على مراكز النفوذ.

 

ويعمق هذا الوضع الجدل بشأن قدرة المؤتمر المقبل على إحداث تحول فعلي في بنية القرار، فالمؤتمرات السياسية الكبرى تكتسب قيمتها من قدرتها على مراجعة الحصيلة وتجديد القيادة وإنتاج تصورات جديدة، غير أن تزايد الانتقادات بشأن تمركز القرار داخل دوائر محدودة قد يجعل من المؤتمر السابع عشر اختبارا لمدى استعداد الجبهة لمواجهة أزمتها الداخلية، لا مجرد محطة تنظيمية لتجديد الهياكل القائمة.

 

ويبرز إبراهيم غالي في قلب هذه المعادلة بوصفه المسؤول الأول عن قيادة الجبهة خلال مرحلة تتداخل فيها الضغوط الداخلية مع التحولات الدبلوماسية المتسارعة، وتطرح الانتقادات المتداولة داخل أوساط معنية بمتابعة الشأن الصحراوي تساؤلات بشأن مدى اتساع دائرة القرار السياسي والمالي داخل التنظيم، ومدى قدرة المؤسسات الداخلية على ممارسة أدوارها باستقلالية في ظل ما يوصف بتزايد مركزية القيادة.

 

ويأتي هذا التوتر في وقت تواجه فيه الجبهة مأزقا سياسيا أكثر تعقيدا من مجرد الخلافات التنظيمية، فقد شهد الملف خلال السنوات الأخيرة تحولات دبلوماسية متلاحقة عززت حضور مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب كخيار لتسوية النزاع، بالتوازي مع اتساع الدعم الدولي للوحدة الترابية للمملكة وافتتاح عدد من الدول لتمثيليات دبلوماسية في مدينتي العيون والداخلة.

 

وتضاعف هذه التحولات من صعوبة المهمة أمام قيادة البوليساريو، التي تجد نفسها مطالبة بتقديم تصور سياسي قادر على التفاعل مع واقع دولي مختلف عن المراحل السابقة، فاستمرار الرهان على إطالة أمد النزاع في غياب مبادرات سياسية جديدة، يفتح الباب أمام مزيد من التآكل داخل التنظيم، خصوصا عندما تتحول إدارة الأزمة إلى بديل عن إنتاج حلول لها.

 

وتتجلى إحدى أبرز مفارقات المرحلة في التباين بين الخطاب السياسي المعلن وبين الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي يعيشه سكان مخيمات تندوف، فكلما اشتدت الحاجة إلى نقاش سياسي مفتوح حول المستقبل، برزت إجراءات وتوجهات تعكس أولوية التعبئة الأمنية والعسكرية على حساب توسيع المجال المدني والاقتصادي وهو ما يعمق، وفق قراءات متعددة الشعور بانسداد الأفق لدى فئات واسعة من السكان.

 

ويثير الحديث عن توسيع إجراءات التعبئة والتجنيد والحد من بعض الأنشطة الاقتصادية والتجارية تساؤلات إضافية بشأن كلفة استمرار التوتر على الحياة اليومية داخل المخيمات، إذ إن أي مقاربة تجعل من التعبئة الدائمة أساسا لإدارة المجتمع قد تصطدم بمرور الوقت، بحاجات اجتماعية واقتصادية متزايدة لا يمكن احتواؤها بالشعارات السياسية وحدها.

 

ويضع هذا الواقع المؤتمر السابع عشر أمام مفترق طرق بالغ الحساسية، فالجبهة لا تواجه فقط تحدي اختيار قيادة أو إعادة ترتيب مؤسساتها، بل تواجه سؤالا أعمق يتعلق بقدرتها على مراجعة مسار سياسي امتد لعقود دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها، وكلما غابت المراجعة الداخلية الجادة اتسعت الفجوة بين الخطاب السياسي والوقائع المتغيرة على الأرض وفي المحافل الدولية.

 

ويفرض السياق الدبلوماسي الراهن ضغوطا إضافية على قيادة البوليساريو، في ظل استمرار الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى في التعامل مع مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا واقعيا وجادا للنقاش حول التسوية، كما أن التحولات التي يشهدها الملف داخل مجلس الأمن والأمم المتحدة جعلت من الصعب تجاهل التغير التدريجي في موازين المواقف الدولية.

 

ويكشف اقتراب المؤتمر السابع عشر، في هذا السياق، عن أزمة تتجاوز الخلافات الظرفية داخل التنظيم، فالمأزق الحقيقي يرتبط بقدرة القيادة على الانتقال من منطق إدارة الجمود إلى منطق التعامل مع المتغيرات الجديدة، وبينما كان يفترض أن يشكل المؤتمر مناسبة لتجديد الرؤية وإعادة تقييم الخيارات، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة جبهة البوليساريو على إنتاج مراجعة سياسية وتنظيمية حقيقية، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج البنية ذاتها في لحظة تتغير فيها معطيات النزاع بوتيرة متسارعة.

 

وتؤشر حصيلة هذه المعطيات إلى أن المؤتمر المقبل سيكون أكثر من مجرد استحقاق داخلي، فهو اختبار مباشر لتماسك الجبهة، وقدرة قيادتها على احتواء التوترات، واستعدادها لمواجهة واقع دبلوماسي تتراجع فيه رهانات الجمود وتتقدم فيه الحلول السياسية الواقعية، وبين أزمة القيادة وضيق هامش المناورة، وتنامي الضغوط الاجتماعية داخل المخيمات، يبدو المؤتمر السابع عشر مرشحا لأن يكشف حجم المأزق الذي وصلت إليه الجبهة أكثر مما يبدو قادرا في صيغته الحالية على تجاوزه.

الاخبار العاجلة