الصيد البحري بين المغرب وأوروبا.. حين تتحول الشراكة الاقتصادية إلى اختبار للسيادة والمصالح

محرر مقالات22 أغسطس 2026
الصيد البحري بين المغرب وأوروبا.. حين تتحول الشراكة الاقتصادية إلى اختبار للسيادة والمصالح

العيون الآن.

يوسف بوصولة

 

على مدى نحو ثلاثة عقود شكلت اتفاقيات الصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأوروبي إحدى أبرز حلقات الترابط الاقتصادي بين المملكة وأوروبا خصوصا مع جنوب إسبانيا وموانئ الأندلس التي ارتبط جزء من نشاطها باستمرارية الولوج إلى المصايد المغربية.

 

منذ اتفاق سنة 1995 تشكلت حول هذا التعاون شبكة واسعة من المصالح امتدت من البحر إلى اليابسة، وربطت قطاعات الصيد والتعليب والنقل والخدمات البحرية والتجارة بمستوى استقرار العلاقات بين الرباط وبروكسل ومدريد.

 

غير أن هذه الشراكة الاقتصادية لم تبقَ بمنأى عن التحولات السياسية التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فقد انتقل ملف الصيد تدريجيا من كونه قضية مرتبطة بالمصالح المهنية والاقتصادية إلى ورقة تتقاطع فيها اعتبارات السيادة والسياسة والهجرة والحدود، خصوصا مع صعود الخطابات الشعبوية واليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية في مقدمتها إسبانيا.

 

تكشف التجربة التاريخية أن تداعيات الخلافات بين المغرب وأوروبا لا تتوقف عند المؤسسات الحكومية بل يمكن أن تنتقل سريعا إلى الموانئ والمجتمعات الساحلية والقطاعات الاقتصادية المرتبطة بالتعاون مع المملكة.

 

ويقدم عام 1999 نموذجا واضحا لذلك، عندما انتهى العمل باتفاق الصيد دون التوصل إلى تجديده لتجد مئات السفن الإسبانية نفسها خارج مناطق الصيد المغربية، وهو ما انعكس على البحارة والموانئ والقطاعات المرتبطة بالنشاط البحري خصوصا في إقليم الأندلس.

 

لقد أظهرت تلك التجربة أن كلفة الخلاف السياسي لا تتحملها الحكومات وحدها، بل تمتد إلى المجتمعات والقطاعات التي بنت مصالحها على استقرار العلاقات عبر المضيق.

 

ومع استئناف التعاون لاحقا من خلال اتفاقيات جديدة، ظل ملف الصيد محكوما بمعادلة دقيقة تجمع بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات القانونية والسياسية والبيئية. غير أن انتهاء البروتوكول الأخير سنة 2023 فتح الباب أمام مرحلة مختلفة لم يعد فيها السؤال مرتبطا فقط بحجم المصالح التي يوفرها الصيد، وإنما بطبيعة الشراكة نفسها وحدودها.

 

ولعل أزمة 2021 بين المغرب وإسبانيا كشفت بوضوح أن الترابط بين البلدين يتجاوز قطاع الصيد البحري بكثير. فالأزمة الدبلوماسية التي اندلعت عقب استقبال إسبانيا لزعيم جبهة البوليساريو الانفصالية إبراهيم غالي، انعكست على حركة العبور الصيفي للجالية المغربية وعلى نشاط عدد من الموانئ الإسبانية خصوصا في الجنوب.

 

ومرة أخرى ظهر أن الخلاف السياسي بين الرباط ومدريد يمكن أن يتحول بسرعة إلى كلفة اقتصادية ملموسة، بما يجعل استقرار العلاقة مصلحة مباشرة لعدد كبير من الفاعلين الاقتصاديين على الضفتين.

 

في المقابل تغير موقع المغرب نفسه داخل المعادلة الاقتصادية والجيوسياسية للمتوسط فالمملكة لم تعد مجرد طرف يوفر موارد بحرية لسفن أوروبية، وإنما تحولت إلى منصة صناعية ولوجستية وتجارية متقدمة، مستفيدة من مشاريع استراتيجية كبرى، في مقدمتها ميناء طنجة المتوسط إلى جانب تطوير البنيات المينائية في الناظور والداخلة.

 

وهكذا أصبح المغرب جزءا محوريا من شبكة تربط أوروبا بإفريقيا والأسواق العالمية، الأمر الذي يمنح علاقاته الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي أبعادا تتجاوز بكثير حدود اتفاق الصيد.

 

في ظل هذه التحولات، قد تعرف أي مفاوضات مستقبلية حول اتفاق جديد مقاربة مغربية مختلفة، تقوم على النظر إلى الصيد البحري باعتباره جزءا من منظومة أوسع للمصالح المتبادلة، وليس ملفا تقنيا قائما بذاته.

 

وهنا يبرز احتمال أن تتحول بعض الملفات السيادية إلى عناصر حاضرة في الحسابات التفاوضية، وفي مقدمتها سبتة ومليلية المحتلتان بما قد يدفع المغرب إلى إعادة النظر في أي ترتيبات أو امتيازات مرتبطة بالتعاون البحري بما ينسجم مع موقفه الثابت بشأن وحدته الترابية.

 

كما قد تصبح مواقف الدول الأوروبية من قضية الصحراء المغربية عاملا إضافيا في تقييم طبيعة الشراكات الاقتصادية معها، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها مواقف عدد من العواصم الأوروبية والدولية تجاه مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

 

ولا يتعلق الأمر هنا بقرار رسمي معلن من الرباط بقدر ما يطرح كخيار تفاوضي محتمل تفرضه طبيعة المرحلة الجديدة. فإذا كانت بعض القوى الأوروبية تربط تعاونها مع المغرب بملفات الهجرة والحدود والأمن، فإن منطق المصالح المتبادلة يتيح للمملكة بدورها هامشا لربط بعض الامتيازات الاقتصادية بمصالحها الوطنية والقضايا التي تعتبرها استراتيجية.

 

تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة في ظل صعود اليمين المتطرف في أوروبا، إذ تجد قطاعات واسعة من الاقتصاد الأندلسي نفسها في حاجة إلى علاقة مستقرة مع المغرب، بينما تستمر بعض الخطابات السياسية الشعبوية في تقديم المملكة من خلال زاوية الهجرة والحدود والأمن.

 

وهنا يظهر التناقض بوضوح: الاقتصاد يحتاج إلى المغرب، بينما تدفع الحسابات الانتخابية أحيانا في اتجاه معاكس. فالموانئ الأندلسية لا ترتبط بالمملكة بالصيد فقط، وإنما تجمعها بها علاقات في التجارة والنقل والخدمات وسلاسل الإمداد، في وقت أصبح فيه المغرب شريكا محوريا في منظومة غرب المتوسط.

 

وبالتالي فإن استمرار توظيف العلاقة مع الرباط في الصراعات السياسية الداخلية قد يحقق لبعض القوى مكاسب انتخابية ظرفية، لكنه قد يحمل في المقابل كلفة اقتصادية حقيقية على المناطق والقطاعات التي تعتمد على التعاون مع المغرب.

 

الجغرافيا الاقتصادية تبدو، في نهاية المطاف أكثر صلابة من الخطابات الانتخابية. فالمغرب الذي كان ينظر إليه لعقود باعتباره موردا مهما للثروة البحرية بالنسبة للأساطيل الأوروبية، أصبح اليوم لاعبا اقتصاديا ولوجستيا أكثر حضورا، يمتلك أوراقا متعددة في علاقته مع أوروبا وإفريقيا والأسواق العالمية.

 

ومن هذه الزاوية لن يكون أي اتفاق صيد مستقبلي مجرد بروتوكول يحدد الكميات ومناطق الولوج ومدة الاستغلال، بل قد يتحول إلى اختبار لطبيعة الشراكة المغربية الأوروبية نفسها. فالمعادلة الجديدة تقوم على أن التعاون الاقتصادي لا ينبغي أن يفهم باعتباره امتيازا تمنحه جهة وتطلبه جهة أخرى، وإنما باعتباره شراكة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.

 

في نهاية المطاف يصبح البحر أحد المجالات التي تعكس التحول الأعمق في طبيعة العلاقات بين المغرب وأوروبا. فالثروة البحرية المغربية لا يمكن فصلها بشكل كامل عن اعتبارات الجغرافيا والسيادة، كما أن المصالح الاقتصادية الأوروبية في المملكة تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة ومتوازنة.

 

ومن هنا قد يفتح أي اتفاق مستقبلي للصيد الباب أمام معادلة جديدة تجعل التعاون الاقتصادي أكثر ارتباطا باحترام المصالح السيادية للمغرب، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية وملف سبتة ومليلية.

 

وبذلك فإن الرهان الحقيقي لن يكون فقط على عودة سفن أوروبية إلى المياه المغربية، وإنما على بناء نموذج جديد للشراكة في غرب المتوسط؛ نموذج يدرك أن الاقتصاد لا يعمل في فراغ سياسي، وأن المصالح التجارية لا يمكن فصلها إلى ما لا نهاية عن الجغرافيا والسيادة.

 

وإذا كان المغرب قد راكم خلال السنوات الماضية أوراقا اقتصادية ولوجستية ودبلوماسية جديدة، فإن المرحلة المقبلة قد تجعل السؤال مختلفاً: ليس هل تحتاج أوروبا إلى الشراكة البحرية مع المغرب، بل كيف يمكن بناء هذه الشراكة على أساس أكثر توازنا، وبما يراعي مصالح الطرفين وثوابتهما الاستراتيجية؟

الاخبار العاجلة