بين الهزيمة الرياضية وتصعيد الخطاب الإعلامي…عندما تتحول الخسارة إلى وقود للأزمات الإقليمية

محرر مقالات11 يناير 2026
بين الهزيمة الرياضية وتصعيد الخطاب الإعلامي…عندما تتحول الخسارة إلى وقود للأزمات الإقليمية

العيون الآن.

 

حمزة وتاسو / العيون.

 

أعادت التغطيات الإعلامية التي أعقبت إقصاء المنتخب الجزائري من كأس أمم إفريقيا 2025، عقب خسارته أمام نيجيريا بهدفين دون رد، طرح إشكالية أعمق من مجرد نتيجة رياضية عابرة، بعدما تحول جزء من الخطاب الإعلامي في الجزائر إلى منصة لتصعيد سياسي غير مباشر ضد المغرب، في سياق إقليمي متوتر أصلا، ما يثير تساؤلات جدية حول حدود المسؤولية الإعلامية وخطورة توظيف الرياضة في تغذية الأزمات المزمنة بين الدول.

 

الهزيمة التي تلقاها المنتخب الجزائري كانت، وفق المعايير الرياضية، نتيجة واضحة لا لبس فيها، حسمها الأداء داخل المستطيل الأخضر غير أن تداعياتها الإعلامية تجاوزت التحليل الفني المعتاد لتأخذ منحى آخر، تمثل في الترويج المكثف لفرضيات “المؤامرة” و”التلاعب التحكيمي” و”الكواليس الخفية”، مع توجيه اتهامات غير موثقة إلى المغرب، بوصفه البلد المنظم للبطولة.

 

هذا التحول من النقد الرياضي إلى الخطاب الاتهامي كشف عن محاولة واضحة لتصدير الإخفاق، وتحويله من مسؤولية داخلية مرتبطة بالاختيارات التقنية والبنية الكروية، إلى عامل خارجي يستدعى لتبرير الخروج من البطولة.

 

لا يمكن فصل هذا السلوك الإعلامي عن السياق السياسي العام الذي يطبع العلاقات المغربية الجزائرية، حيث يشكل ملف الصحراء المغربية جوهر الخلاف وأحد أكثر القضايا تعقيدا في المنطقة، فالتوتر القائم ليس وليد حدث رياضي أو ظرف آني، بل نتيجة تراكمات تاريخية ومواقف سياسية متباينة، أبرزها استمرار الجزائر في تبني موقع ملتبس حاضر بقوة في كل تفاصيل النزاع، دون اعتراف صريح بكونها طرفا مباشرا يتحمل تبعاته السياسية والقانونية.

 

ضمن هذا الإطار، تتحول الرياضة، في لحظات الاحتقان، إلى مساحة إسقاط سياسي، تستدعى فيها الخلافات الكبرى لتفسير أحداث لا تحتمل بطبيعتها هذا الحجم من التأويل.

 

على مستوى الوقائع الميدانية، شهدت البطولة القارية إشادة واسعة من الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ومن وفود رسمية ورياضية، بجودة التنظيم المغربي، سواء من حيث البنية التحتية، أو الجوانب اللوجستية، أو ظروف الإقامة والاستقبال، وهي معطيات عززتها شهادات لاعبين ومسؤولين، إضافة إلى المتابعة الجماهيرية الواسعة.

 

في المقابل لجأت بعض التغطيات الإعلامية إلى تقنيات انتقائية في المعالجة، من زوايا تصوير مجتزأة، إلى تجاهل المعطيات الرسمية، في محاولة للتقليل من هذا النجاح، دون أن يغير ذلك من الصورة العامة التي عاينها المتابعون على أرض الواقع.

 

رغم الطابع الرسمي والمنظم للتظاهرة، سجلت بعض السلوكيات الفردية التي أثارت جدلا، من بينها تجاهل بروتوكولي للتحية، أو تصرفات رمزية داخل فضاءات الإقامة، ورغم محدودية هذه الوقائع وتأثيرها العملي، فإن تضخيمها إعلاميا أسهم في شحن الأجواء، بدل احتوائها ضمن إطارها الطبيعي.

 

في مقابل هذا التصعيد حافظ الموقف الرسمي المغربي على نبرة ثابتة، تقوم على الفصل بين الخلافات السياسية والعلاقات بين الشعوب، فقد شدد الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة، على سياسة اليد الممدودة تجاه الجزائر، وعلى توصيفها بالدولة الشقيقة، مؤكدا أن النزاعات لا ينبغي أن تتحول إلى قطيعة دائمة أو عداء مفتوح.

 

غير أن الفجوة بين الخطاب السياسي الرسمي وبعض المنابر الإعلامية تطرح إشكالا حقيقيا حول قدرة الإعلام على لعب دور التهدئة بدل التحريض.

 

التحريض الإعلامي حين يتجاوز النقد إلى شيطنة الطرف الآخر، لا يبقى حبيس الصفحات والشاشات، فالتجارب الإقليمية والدولية تظهر أن الخطاب المتشنج يمهد تدريجيا لتطبيع فكرة الصدام، ويخلق رأيا عاما متقبلا لسيناريوهات خطرة.

 

وأي تصعيد محتمل بين المغرب والجزائر، بحكم ثقل البلدين الجيوسياسي والعسكري، لن تكون كلفته محدودة أو رمزية، بل ستنعكس على استقرار المنطقة ككل، وستفتح الباب أمام تدخلات خارجية وأسواق مفتوحة للسلاح، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى على حساب أمن الشعوب.

 

في المحصلة لا تكمن خطورة اللحظة الراهنة في الخلاف السياسي القائم، بقدر ما تكمن في الخطاب الإعلامي غير المنضبط، الذي يحول الأحداث الرياضية إلى أدوات تعبئة، ويستسهل الاستثمار في الغضب الجماهيري، فالإعلام حين يتخلى عن دوره التفسيري والتنويري، يصبح عامل توتير لا يقل أثره عن القرارات السياسية نفسها.

 

ووسط هذا المشهد يبقى السؤال مطروحا حول قدرة المؤسسات الإعلامية في المنطقة على استعادة دورها المهني، والتمييز بين المنافسة الرياضية المشروعة، وبين الانزلاق نحو خطاب قد تكون كلفته، على المدى المتوسط والبعيد أعلى بكثير من خسارة مباراة.

الاخبار العاجلة