رجل التوازنات الصعبة… خليهن ولد الرشيد ومسار تثبيت مشروع الحكم الذاتي بالصحراء المغربية.

محرر مقالات4 décembre 2025

العيون الآن

 

الدكتور : عبدالقادر الحافظ بريهما

 

قبل سنة 1975 كانت الصحراء تحت الإدارة الإسبانية تعيش وضعاً سياسياً معقداً، تميز بصراع النفوذ بين القوى الدولية وصعود تنظيمات محلية، أبرزها جبهة البوليساريو التي تأسست سنة 1973 في سياق إقليمي مضطرب، مستغلة حالة الفراغ السياسي ومحاولة الإسبان الاحتفاظ بالمنطقة. وفي خضم هذا المشهد المتشابك، برزت شخصيات وطنية من أبناء القبائل الصحراوية رفضت الانجرار خلف شعارات الانفصال، واختارت الدفاع عن الارتباط التاريخي بين الصحراء والمغرب، وكان من أبرزها الشاب خليهن ولد الرشيد، الذي سيلعب لاحقاً دوراً حاسماً في تغيير مسار الأحداث.

مسارٌ طويل يبدأ منذ شبابه في الصحراء إبان الإدارة الإسبانية، حين كان واحداً من أبرز الوجوه الصحراوية النشيطة سياسياً داخل المستعمرة، قبل أن يتولى قيادة حزب « البونس »، الحزب الذي أنشأته السلطات الإسبانية لإدارة الملف الصحراوي. غير أن خليهن استغل موقعه داخله ليحوّله إلى منصة للتعبير الوطني، قبل أن يقرر في لحظة تاريخية حاسمة الانفصال عنه والالتحاق بالمملكة المغربية ماي سنة 1975، معلناً ولاءه للملك الراحل الحسن الثاني، وممهداً الطريق أمام عودة نخبة واسعة من الأطر الصحراوية والسادة الشيوخ والوجهاء والاعيان والسياسيين والمنتخبين للمشاركة في التحضير للمسيرة الخضراء.

وبعد استرجاع الصحراء المغربية، برز السيد خليهن ولد الرشيد كأحد أهم الشخصيات التي راهن عليها الراحل الحسن الثاني، فعُيّن كاتباً للدولة لدى الوزير الأول سنة 1977، وهو منصب ظل يشغله في فترات متتالية، مكلفاً بالشؤون الصحراوية وتدبير الملفات السياسية والاجتماعية بالأقاليم الجنوبية. وفي سنة 1985 عُيّن وزيراً منتدباً مكلفاً بتنمية الأقاليم الصحراوية، ليصبح مهندساً حقيقياً لسياسات الإدماج والتنمية في المنطقة، مع حضور وازن داخل الحكومة والبرلمان، حيث انتُخب نائباً عن العيون من 1977 إلى غاية 2002.

 

لم يقتصر دوره على المؤسسات الوطنية، بل امتد إلى الواجهة الدبلوماسية، حيث قاد بعثات رسمية إلى أمريكا اللاتينية، وعمل على تعزيز العلاقات مع العالم العربي، كما أصبح من أبرز المتحدثين باسم الصحراويين الوحدويين في المحافل الدولية، مدافعاً عن مغربية الصحراء بلغات متعددة، ومواجهاً خطاب البوليساريو والجزائر بخطاب واقعي مبني على التاريخ والمعطيات السياسية. ومع عهد الملك محمد السادس، تعزز حضوره بتعيينه سنة 2006 رئيساً للمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية (كوركاس)، حيث قاد النقاشات التي ساهمت في بلورة مشروع الحكم الذاتي.

 

هذا المشروع،الذي تقدمت به المملكة المغربية سنة 2007، لم يكن مجرد تصور إداري، بل رؤية سياسية تعتبر أن الحكم الذاتي هو الحل الواقعي والنهائي للنزاع، في عالم لم يعد يشجع على الانفصال، ومع استمرار فشل التجارب الانفصالية عبر العالم، واستحالة قيام دول هشة على أساس ايديولوجي او قبلي أو أمني. وزاد الوضع الأمني المتدهور في الساحل، وتفاقم أوضاع مخيمات تندوف، من قناعة الرجل بأن الانفصال انتهى عملياً، وأن الجزائر باتت تحكم قبضتها على المخيمات خوفاً من انفجار داخلي.

 

ومع تعثر تحديد الهوية وفشل مسار الاستفتاء، ظل خليهن ولد الرشيد يؤكد أن مهمة المينورسو تقتصر على مراقبة وقف إطلاق النار، وأن توسيع صلاحياتها يمس السيادة المغربية. وفي ظل المماطلة الجزائرية والبوليساريو، أصبح من الواضح أن المغرب مضطر إلى خطوات سيادية لتعزيز مشروع الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق، والقادر على استيعاب مطالب الصحراويين داخل إطار وطني موحد.

 

وفي السنوات الأخيرة، ظهر فاعل جديد على الساحة الدولية وهو حركة صحراويون من أجل السلام، التي برزت كمعارضة مدنية للبوليساريو، داعية إلى حل ثالث ينسجم مع مشروع الحكم الذاتي المغربي، ورافضة لمنطق الاحتجاز والانغلاق والأجندة الجزائرية الذي تفرضه قيادة تندوف. ظهور هذه الحركة يعكس حاجة جزء من الصحراويين إلى بديل واقعي بعيد عن خطاب الحرب والانفصال، ما يخلق مناخاً أكثر ملاءمة لإنجاح مشروع الحكم الذاتي، تناغما مع رغبة الصحراويين الوحدويين.

 

ولا يمكن الحديث عن نفوذ خليهن ولد الرشيد دون الإشارة إلى حضور أسرة أهل الرشيد في المشهد السياسي الوطني والجهوي، وخاصة دور مولاي حمدي ولد الرشيد، الرئيس القوي لمجلس جماعة العيون والقيادي بحزب الاستقلال، الذي أصبح أحد أهم الفاعلين في تدبير الشأن المحلي والجهوي، بالاضافة إلى الرجل الرابع في الهرم الدستوري للمملكة المغربية المتمثل في سيدي محمد ول الرشيد وإلى السيد سيدي حمدي ول الرشيد رئيس الجهة، فهؤلاء معاً وحلفائهم السياسيين وحلفائهم من الحواضن الاجتماعية بمختلف المدن بالصحراء المغربية، يشكلون ثقلاً اجتماعياً وسياسياً داخل الصحراء، ودعامة للمؤسسات الوطنية، ودليلاً على أن القبائل الصحراوية الأصيلة كانت وما تزال في صلب مشروع الوحدة الوطنية.

اليوم، ومع تبني مجلس الأمن للقرار 2797 بتاريخ 31 دجنبر 2025، الداعم لمسار الحكم الذاتي، تتجه الأنظار من جديد نحو السيد خليهن ولد الرشيد ليقود مرحلة تنزيل المشروع على الأرض بالتنسيق مع مختلف الفاعليين المحليين سياسيين شيوخ قبائل منتخبين أطر وكوادر رجالا ونساء، بالنظر إلى:

 

ـ رصيده التاريخي الممتد لأزيد من 50 سنة في خدمة الملف؛

 

ـ ثقة القبائل الصحراوية ورمزيته داخل النسيج القبلي؛

 

ـ خبرته العميقة في التفاوض والدبلوماسية الإقليمية والدولية؛

 

ـ شبكة علاقاته مع الفاعلين المحليين والمنتخبين والأعيان؛

 

ـ قدرته على طمأنة مختلف المكونات الصحراوي؛

 

ـ خبرته في معالجة الملفات الحساسة داخل الدولة؛

 

ـ قوة حضوره الرمزي داخل الأقاليم الجنوبية؛

 

ـ التقاء مشروع الحكم الذاتي مع قناعة أبناء المنطقة بضرورة حل سلمي؛

 

ـ وجود حركة صحراويون من أجل السلام كرافعة جديدة داعمة للحل الثالث المتمثل في مشروع الحكم الذاتي؛

 

ـ وضع دولي أصبح يميل إلى الحلول الواقعية لا الانفصالية؛

 

ـ فشل جبهة البوليساريو في تقديم بدائل سياسية أو اجتماعية لأهالي المخيمات.

 

 

وبالنظر إلى الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها السيد خليهن ولد الرشيد، بالمدن الصحراوية على المحيط الأطلسي وشرق الجدار بمخيمات تندوف وإلى التجربة وامتداد العلاقات السياسية والاجتماعية والقبلية التي يمتلكها السيد خليهن داخلياً وخارجياً، يصبح من الطبيعي أن يتولى، بتنسيق مع شيوخ القبائل من الضفتين والمنتخبين والفاعلين المحليين، مهمة وضع قطار الحكم الذاتي على السكة الحقيقية، تمهيداً لتحقيق حلم الصحراويين الذي انتظروه طويلاً.

 

وهكذا، يظل خليهن ولد الرشيد رجل التوازنات الكبرى، وصوت الحكمة، والشخصية التي يمكن أن تقود المرحلة الفاصلة بين الماضي والمستقبل، بين الصراع الطويل وبداية الحل الحقيقي، بما يحفظ كرامة الصحراويين، ويضمن استقرار المنطقة، ويحصّن الوحدة الوطنية للمملكة المغربية.

الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما.

Derniers articles